فيستقرّ لدى المسلم هيمنة الشريعة ومرجعيتها في محاكمة القضايا ووزن المصالح، وعندئذ يتمهّد له التعظيم والخضوع والاستسلام لله وحده، وهو بإزاء المقصد السابق ذكره - إخراج العبد عن دواعي الهوى - الشطر الآخر لقاعدة العبودية لله رب العالمين، وهي المقصد الأعظم: {وَمَا خَلقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلا لِيَعبُدُونِ} ( [73] ) .
فشتّان بين هذا الأثر المنبثق عن تلك الضوابط، وبين الآثار الفجّة التي يتركها مذهب غلاة المصالح في تقديس المصلحة، وإن أدّى ذلك إلى تجاوز النصوص القطعية تحقيقًا للمقاصد ( [74] ) ،"حين يصرّحون بأنّ الشريعةَ مقاصدُ قبل أن تكون نصوصًا، وأن تكاليفها كلها ترجع إلى تحقيق مقاصدها، وأنها ليست إلا أمارات ودلائل على تحقيق تلك المقاصد، في حالات جزئية هي ما جاءت به النصوص" ( [75] ) !!
وأي أثر لتعظيم الشريعة وإجلالها سيبقى مع منهج كهذا يقدّس المصلحة، ويهدم الأعمدة التي تقوم عليها المصالح في الإسلام وهي النصوص؟!
4 -صيرورة الفتوى إلى اتّزان واستقرار واتّساق مع أحكام الشريعة وكلّيّاتها؛ ذلك أنّ ضوابط إعمال المصلحة السابق ذكرها كفيلة بتحقيق ذلك.
وما ضعف بنيان الفتوى المعاصرة ورخاوتها وتناقضها، بل ومصادمتها في بعض إصداراتها لنصوص الشريعة الصريحة، إلا نتاج عدد من العوامل، كان من بينها: تجاوز ضوابط إعمال المصالح في الفتاوى، فحلّ محلّها - ولابدّ - الآراء الشخصية والأهواء الذاتية!!
فلا جرّم أن تضطرب بعض الفتاوى المعاصرة في عدد من النوازل، بين مبيح وحاظر، والمرجع فيها إلى مصلحة يُثار حولها صلاحيتها للاحتجاج من عدمه، ولو ضُبطت تلك المعايير لضاقت دائرة الخلاف، واتسعت دائرة الوفاق، في مسائل متعددة، مثل: التبرع بأعضاء الإنسان، والتأمين الإلزامي، وتملّك المساكن في بلدان غير مسلمة بقروض ذات عوائد ربوية محدودة، وأمثال ذلك.
5 -إحياء قواعد مقاصد الشريعة وبعثها في ميدان الفتوى من جديد، وهذا أثر عمليّ جليل، يتوسّط بين طرفين نقيضين يتنازعان زمام الفتوى المعاصرة: أحدهما مغفلٌ لها، غير مراعٍ لأحكامها، والآخر مبالغٌ فيها، متجاوزٌ دلالات النصوص وأحكامها. ( [76] )
وبما أنّ قواعد المصالح ذات مساحة واسعة في علم المقاصد الشرعية (مراتبها وأحكام تعارضها ومسائلها ووسائلها ... الخ) فإنّ تطبيقها العمليّ في الفتوى المعاصرة يُحيِي جانبًا واسعًا منها، بتوسّط لا إفراط فيه ولا تفريط.