الصفحة 22 من 32

وضبطها في مقام الإفتاء أعظم أثرًا وأشد إلحاحًا؛ لما للفتوى من أثر واسع وقبول عظيم، فإنها ملاذ السائلين، وعمدة كثير من المسلمين في معرفة أحكام الدّين.

ولمّا كان الاستدلال بالمصالح المرسلة أحد الأدلّة الشرعية المعتبرة بضوابطها - سالفة الذكر -، ولِمَا للحوادث الكثيرة المستجدة في عوائد الناس من نصيب واسع من المصالح المرسلة، ولكثرة دعاوى المطالبة بالاحتجاج بالمصالح المرسلة دونما ضبط أو تقييد، بل دون فقه وعلم إلا الجهل والهوى: تأكّد الأثر العظيم المترتب على انضباط الاستدلال بالمصالح المرسلة في مقام الإفتاء.

ويمكن ترتيب هذه الآثار على النحو التالي:

1 -صيانة الشريعة عن عبث الجاهلين وأهواء المضلّين، المنادين بكلمة حق يريدون بها الباطل، وهم ينشدون إعمال الاستدلال بالمصالح المرسلة - زعموا -، فتكشف تلك الضوابط زيف الدعاوى وضحالة المطالب وهشاشة الأفكار، التي تذوب أمام ضوابط المصالح المرسلة.

وعندئذ لا يقوى على الفتوى المستدلّة بالمصالح المرسلة إلا أهلها، وتنجلي المزاعم الجوفاء التي تريد تقديس المصالح وتنصيبها دليلًا مطلقًا، وأنّ المصلحة"هي المصلحة كما يراها العقل السليم، دون أن يُرجع بها إلى مقاصد الشريعة، أو يحكَّم فيها الفقه كما وضعه الفقهاء" ( [69] ) ؛ وأنّ"اعتماد الفقهاء على نصٍ يشهد للمصلحة ووضعهم الضوابط من كل نوعٍ أفرغ المصلحة من جوهرها"!! ( [70] ) .

2 -تحقيق مقصد الشريعة من تعبيد العباد لربهم وإخراجهم من دواعي الأهواء ورغبات النفوس ( [71] ) ، بل تخليصهم من مظنّة ضلال ومزلق غواية، وهو أن ينقاد المكلّف لهواه ويتعبّد لربه بمقتضاه، مغلِّفًا ذلك باسم الاستدلال بالمصالح المرسلة!!

فإذا ما تحقق ضبط المصالح المراد الاحتجاج بها بوزنها بمعيار الشرع، ومراعاة ملاءمتها لمقاصده، وسلامتها من معارضة أحكامه؛ ضاقت جدًا مساحة أهواء النفوس وشهواتها، وتحققّ انقياد العباد لشريعة ربهم حتى في مصالحهم (جلب نافعها ودفع ضارّها) .

3 -تحقيق مقصد جليل من المقاصد الشرعية، وهو إجلال الشريعة وهيبتُها وتوقيرُها، والله قد قال في كتابه: {ذلكَ ومَن يُّعَظِّم شَعَائِرَ اللهِ فَإنّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ} ( [72] ) ، ويتحقق ذلك حين تراعي ضوابط إعمال المصالح المرسّلة، وقطب رحاها - كما تقدّم -: الرجوع إلى الشريعة لوزن المصالح وتحديد مرتبتها، ثم مراعاة خلوّها عن المعارضة لشيء من أحكام الشرع، مع توفّر ملاءمتها لمقاصد الشريعة وكلّياتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت