الصفحة 21 من 32

والمباحات في الشريعة مما يجوز - بإجماع - ضبطها وتقييدها بضوابط وقيود من أجل المصلحة العامّة، وهذا واقع في كل شؤون الحياة التنظيمية في الدراسة والبناء والتجارة ... الخ، فلا يصح الاعتراض على قيود تنظيم بناء المساكن في البلد أو التجارة ونحوها بأن ذلك معارض لإباحة مجمع عليها ومعمول بها خلال قرون الأمة المتتابعة!!

ولأنّ وليّ الأمر مناطٌ به تحقيق مصالح الرعية فإنه يلتمس ذلك في منافعهم ومضارّهم في شتى شؤون الحياة، ومتى أمر بأمر من هذا الباب وجبت طاعته فيه؛ لأنه واقع في حدود ما أُذِن له فيه، وفي دائرة ما أُمرت الرعية بطاعة الراعي فيه.

والمصلحة المتحقّقة بتنظيم سنّ زواج الفتيات بما لا يقلّ عن ثمان عشرة سنة تقع في مرتبة الحاجيات؛ لأن الوقائع المحكية فيها ألوان من المعاناة والمآسي في حياة زوجية لم تقم على مراعاة حقوق الزوجية والعشرة بالمعروف التي أمر الله بها.

ومن حيث العموم فهي غالبة؛ بمعنى أنه يغلب على الزيجات والأنكحة التي تزوّج فيها الفتاة دون الثامنة عشرة أن تكون مبذولة لأزواج تقدّم بهم السنّ يرغبون في التزوّج بفتيات صغيرات السنّ، فلا يتمّ لهم ذلك إلا بمهور باهظة تتحوّل عند بعض أولئك الآباء إلى صفقات تجارية، وإنما قلت"غالبة"لوجود صور من تلك الأنكحة لا يقع فيها ذلك الحال البئيس، لكنه قليل بالنسبة إلى ما تقدّم وصفه.

ويبقى النظر في ارتباط تحقق المصلحة المنشودة - من درء تلك المفاسد - بهذا التنظيم، بحيث يتحقق أو يغلب على الظن حصول المقصود من تلافي تلك المفاسد بمثل هذا التنظيم، من أجل تحقيق ضابط تيقّن حصول المصلحة أو غلبة الظن به.

ويمكن أن يُقيّد هذا التنظيم بقيودٍ أُخر لتحديد مجال تطبيقه أو مدّته، ونحو ذلك.

وكان الغرض من المثال مناقشة ما يمكن أن يكون بناءً على المصالح المرسلة، والتأمل في توفّر الضوابط، وتقنين الأنظمة وفقها، والله أعلم.

الفصل الثالث: أثر انضباط المصلحة في الفتوى

ضبط المصالح المرسلة مطلبٌ شرعيٌ اهتم له الفقهاء والأصوليّون كثيرًا، من خلال مصنّفات المصالح ومباحثها في كتب الأصول والمقاصد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت