والمصلحة المعمول بها هنا واقعة في رتبة الحاجيات؛ إذ به يرتفع قدر كبير من الحرج والعَنَت والمشقّة التي تلحق الحجيج بمكة والمشاعر المقدّسة، بسبب الزحام الذي لا تسعه الطرقات والخدمات وسائر المرافق.
وهي كذلك مصلحة عامّة؛ لأنها تعمّ جموع الحجيج كل عام، بتمكينهم من أداء حجّهم بتوفير سبل الحج ووسائله، من نقل وإقامة وإعاشة، وتيسير أداء المناسك لهم.
وقد قابلتها مصلحة خاصّة فأهملت، وهي ثواب تكرار الحج كل سنة لقاصديه والراغبين فيه، فرجحت عليها المصلحة العامة.
ووجه كونها مرسلة: أن الشارع لم يتعرّض لتحديد تكرار الحجّ كل خمس سنوات باعتبار أو إلغاء، وحثُّه على المتابعة يتناول التكرار كل عام، فكان التكرار مرة كل خمس سنوات في حكم المسكوت عنه شرعًا.
المثال الثاني: تحديد سنّ زواج الفتيات بسنّ 18 فأكثر:
وهي قضية أخذت مساحة من الجدل في المملكة العربية السعودية، ناشئة عن عدد من وقائع التزويج لفتيات صغيرات (بين الثانية عشرة والثامنة عشرة) لرجال تجاوزت أعمارهم الخمسين والستين، ولا دافع لذلك سوى المطامع المالية من المهور الباهظة المفروضة عادةً في مثل هذه الأنكحة، فيجتمع - في الغالب - في هذه الصور عدد من المفاسد، منها: المبادرة بتزويج الفتاة أوّل بلوغها برجل في سنّ أبيها أو جدّها، وإجبارها على هذا الزواج، ورفض شكواها أو العطف عليها لاحقًا، وعدم تزويج الكفء والأهل، والتضحية بكل ذلك مقابل قيمة المهر المطلوب.
فجاءت بعض المطالبات بهذا التنظيم لدرء هذه المفاسد أو تقليلها، بحيث يصدر به توصية من مجلس الشورى، وقرار من وزارة العدل، يُمنع به القضاة في المحاكم من إجراء عقود الأنكحة للفتيات دون سنّ الثامنة عشرة، وقوبلت تلك المطالبات برفض من بعض أهل العلم الشرعي؛ باعتبار أن ذلك منعٌ من أمر مباح في الشريعة، ويشبه أن يكون تشريعًا يضاهي شريعة الله عزّ وجلّ، ولأنه خلاف ما أجمعت الأمة على جوازه والعمل به عبر قرون الأمة المتطاولة.
وبالنظر في المسألة نجد أنها - أي منع التزويج قبل سنّ الثامنة عشرة - حكم مسكوت عنه في الشريعة، فهو على الإباحة الأصلية، بل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وزواجه من عائشة رضي الله عنها وهي في السادسة، ثم بناؤه بها وهي في الثامنة لا يدلّ على أكثر من الإباحة، والإجماع المحكي هو على هذه الإباحة لا على المنع مما عداها.