-أنها من العادات، لكنها ذات صلة وثيقة بعبادات متعلّقة بها، فديوان الجند مرتبط بالجهاد في سبيل الله، وبيت المال مرتبط بالزكاة والمواريث والغنائم، والسجن مرتبط بالحدود والتعزير في الجنايات.
فكان صنيع الصحابة - رضي الله عنهم - ههنا مرتكزًا على:
-النظر إلى المصالح (الحاجية) المترتبة على هذه الأمور.
-إدراك كونها مسكوتًا عنها في الشريعة.
-مراعاة كونها ملّحة يحتاجها عصرهم، وغلبة الظن بتحقق المصالح المظنونة بها.
-فقههم بملاءمة هذه القضايا لمقاصد الشرع، وما استقّر عندهم من شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعادته في مثل هذه الأمور، حيث كان يخصّ كل شأن بمن يليه من أصحابه - رضي الله عنهم - إذا احتاج الأمر، ككتابة الوحي ومراسلة الملوك والرؤساء، وأمانة سرّه، واتخاذ شعراء وخطباء لاستقبال الوفود، وأمثال هذا كثير.
المبحث الثاني: تطبيقات معاصرة
وههنا مثالان: أحدهما في العبادات، والآخر في المعاملات، وليس المراد بالعبادات صفتها أو هيئتها وما يتّصل بها من شروط وأركان، بل المقصود وسائلها.
المثال الأول: تحديد الحجّ بمرّة واحدة كل خمس سنوات للمقيمين بالسعودية، وهو تنظيم داخليّ بالمملكة العربية السعودية لقاصدي الحج من مواطنيها والمقيمين بها.
حيث لا يصرَّح للراغب بالحجّ إلا مرة واحدة كلّ خمس سنوات؛ مراعاةً لحقّ الحجّاج القادمين من الخارج، وتخفيفًا للزحام، وصدر بذلك قرار مستند إلى إجازة هيئه كبار العلماء للقرار.
وبالنظر إلى الأصل في المسألة فإنّ حكمها الاستحباب المطلَق، عملًا بقوله - صلى الله عليه وسلم:"تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكيرُ خبث الحديد والذهب والفضة" ( [68] ) ، فإنّه يحثّ على المتابعة والتكرار للحجّ دون تحديد بعدد من المرّات ولا من السنوات التي تفصل بينها.
فجاء ذلك القرار مقيّدًا لهذا الاستحباب المطلق بمرّة واحدة كلّ خمس سنوات، وليس لهذا التخصيص والتقييد - الذي أمر به وليّ الأمر وأقرّه أهل العلم - مستند إلا المصلحة المرسلة؛ تنظيمًا لشؤون الحج، وتوفيرًا للتسهيلات والخدمات للحجّاج، ومراعاةً لتحديد عدد الحجّاج الخارج بالنسب المخصّصة لكل دولة، فقابله تحديدٌ مماثلٌ لعدد حجّاج الداخل بهذا التنظيم.