ومن أجل ذلك فقد نصّ غير واحد من أهل العلم على التمثيل بجمع القرآن في خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - على عمل الصحابة - رضي الله عنهم - بالمصلحة المرسلة. ( [64] )
المثال الثاني: تدوين الدّواوين واتخاذ السجن وبيت المال:
من أبرز الأمثلة التي يضربها الأصوليّون لعمل الصحابة - رضي الله عنهم - بالمصالح المرسَلة هو تلك الترتيبات والأنظمة الإدارية التي أحدثوها بعد اتّساع البلاد واستقرار الدولة؛ لتنظيم شؤون الحياة وفق مايتطلّبه الواقع آنذاك.
ويُعدّ زمن الخليفة الفاروق عمر - رضي الله عنه - أوسعها في هذا الباب؛ لانتشار الفتوحات في خلافته، وامتداد مدّتها نحو عشر سنوات (13 - 23هـ) ، مما استدعى ضرورة إحداث تلك التنظيمات، فضلًا عن عبقرية عمر - رضي الله عنه - وألمعيّته.
فكان مما أنشاه مما يندرج في هذا الباب ويمثّل به الأصوليّون:
-تدوين الدّواوين: وهي أشبه بالوزارات في الدولة المعاصرة، فديوانٌ للجند، وديوانٌ للعطاء، وهكذا.
فديوان الجند - مثلًا - يهتّم بشؤون جند المسلمين، حصرِهم وأسمائهم وأماكنِ غزوهم، ومدة خروجهم وبعثهم فيها، ونحو ذلك. ( [65] )
-اتّخاذ السجن: وتخصيصه بمكان وحرس، وإيداع المعزَّرين بالحبس فيه، ولم يكن هذا من قبل، بل كان الأُسارى في المسجد، كما في قصة ثُمامة بن أُثال - رضي الله عنه - سيّد بني حنيفة، لما أسره النبي - صلى الله عليه وسلم -. ( [66] )
-بيت المال: يتولى حفظ مال الدولة وصرفه في وجوهه، وموارده الزكاة والغنائم والفيء وجزية أهل الذمّة ومال من لا وارث له، ومصارفه حاجات المسلمين على تفاوت فئاتهم، فقراء ومساكين وأبناء سبيل ونحوهم، وعامة المسلمين المشمولين بالعطاء. ( [67] )
وهذه الأمثلة تشترك في أمور، منها:
-أنها أُحدثت زمن الخليفة عمر - رضي الله عنه -، ولم يكن للمسلمين عهدٌ بها من قبل، فلم تشملها النصوص الشرعية باعتبار ولا إلغاء (مرسَلة) .
-أنها أمور تحتاجها الدولة لتحقيق مصالح المجتمع، وهذه المصالح ليست ضرورات تفوت بدونها الحياة، بل حاجيات تيّسر أسباب الحياة وتدفع كَدَرها وعَنَتها الذي يلحق بفواتها.