وسأقتصر هنا على مثالين، مبيّنًا من خلالهما ما يُستفاد من ضوابط العمل بالمصلحة فيهما، وصولًا إلى التأصيل المنشود للاستدلال بالمصلحة وإعمالها في الواقع المعاصر.
المثال الأول: جمع المصحف زمن أبي بكر - رضي الله عنه:
ثبت في الصحيح قصة جمع أبي بكر - رضي الله عنه - للمصحف عقب وقعة اليمامة، حيث أتى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى أبي بكر - رضي الله عنه - فقال له: إن القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقال أبو بكر - رضي الله عنه: كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال عمر - رضي الله عنه: هذا والله خير، ولم يزل يراجع أبا بكر - رضي الله عنه - حتى شرح الله صدره لذلك، ثم أرسل أبو بكر - رضي الله عنه - إلى زيد بن ثابت - رضي الله عنه - وعرض عليه ما كان بينه وبين عمر رضي الله عنهما، وأمره بتتبّع القرآن وجمعه، فقال زيد - رضي الله عنه: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال أبو بكر - رضي الله عنه: هو والله خير، ولم يزل يراجعه حتى شرح الله صدر زيد - رضي الله عنه - لما شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم انطلق في المهمّة وجمع المصحف، فكان عند أبي بكر - رضي الله عنه - حتى توفاه الله، ثم عند عمر - رضي الله عنه - حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهما. ( [62] )
وإنما كان المكتوب من القرآن قبل ذلك مفرّقًا في الصُّحف والعُسب (جريد النخل) واللّخاف (الحجارة الرقاق) ، فكان الذي صنعه أبو بكر بمشورة عمر رضي الله عنهما هو جمعه مكتوبًا في مصحف واحد مرتّب الآيات والسُّور، وهو أمرٌ لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدلالة سؤال كلٍ من أبي بكر وزيد رضي الله عنهما: كيف تفعل (تفعلون) شيئًا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟
ولمّا كان هذا الفعل ليس مستندًا إلى نص، واجتهد فيه الصحابة (فلا إجماع فيه أيضًا) كان مأخذ هذا الاجتهاد وبناؤه على المصلحة المرسلة.
والمصلحة فيه هو حفظ القرآن، خشية ضياعه بتتابع قتل قرّاء الصحابة - رضي الله عنهم -، بوسيلة جمع كتابته في موضع واحد مرتّبًا، وهذه المصلحة عظيمة النفع، يقينيّة التحقّق، ولهذا قال عمر - رضي الله عنه - رضي الله عنه: هذا والله خير، جوابًا عن سؤال أبي بكر - رضي الله عنه: كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فبيّن أنه لا نصَّ في المسألة إثباتًا ولا نفيًا، وأنّ المأخذ لها كونها خيرًا، وهي ما اصطلُح على تسميته بالمصلحة؛ وهذا وجه كونها مرسَلة.
والمصلحة المتحقّقة بجمع القرآن واقعةٌ في مرتبة الضروريات؛ لتعلّقها بحفظ الدّين، المتوقّف على حفظ القرآن. ( [63] )
وهي مصلحةٌ عامّةٌ؛ لتعلّق نفعها بعموم المسلمين، وحفظ القرآن مطلب يحتاجه كل مسلم، وينال أثره الصغير والكبير، ولا زالت أمة المسلمين تنتفع بهذه المصلحة إلى اليوم، بحمد الله تعالى.