ووصف العموم هنا نسبيّ، وهو مضافٌ إلى عموم المسلمين في الأمّة أو القطر أو البلد الذي تتناوله المسألة المنظورة مصلحتها فيها، فما كان من المسائل العامة بحجم الأمة لا يقتصر في تقرير المصالح فيها على مسلمي بلد بعينه، وما كان منها خاصًا بأهل بلدٍ أو إقليم معيّين اعتُبِر فيه مصلحتهم دون غيرهم، وهكذا.
الفصل الثاني: تطبيقات إعمال المصلحة في الفقه الإسلامي
تَهبُ التطبيقات العملية إثراءً عظيمًا للتنظير الأصولي المجرَّد، وتكسبه مزيدًا من قرب التناول للدارس والباحث والواقف فيه على الخلاف.
وعندما تكون المسألة الأصولية المتعلّقة بالدليل أو الدلالة ذات جدل أصولي متّسع على المستوى التنظيري، فإن التطبيق العملي المنسوب إلى عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - أو صحابته - رضي الله عنهم - له فوق ذلك الإثراء أثران عظيمان:
أحدهما: حسم مادة الخلاف، وإقامة راية الإجماع على أصل المسألة إثباتًا أو نفيًا.
والآخر: استنباط ضوابط المشروعية وقيود الجواز من خلالها.
ولهذا يفزع الأصوليّون إلى الاستشهاد بهذه التطبيقات فيما يسمونه بدليل الوقوع؛ تحقيقًا لأحد ذينك الأثرين أو لكليهما في مسائل متعدّدة في الأدلّة والدلالات، كما في الاحتجاج بخبر الواحد في العقائد، وفيما تعمّ به البلوى، وبشرع من قبلنا، وكما في قطعية دلالة العام وظنيّته، ودلالتي الأمر والنهي في عدد من مسائلهما، ونحو ذلك.
والاحتجاج بالمصلحة كذلك، يتحقق من خلال التطبيقات العملية لها الأثران معًا: في أصل المشروعية، وفي ضوابط الجواز وقيوده.
وهذا ما خصصت له المبحث الأول، أما الثاني فجعلته للتطبيقات المعاصرة التي يمكن من خلالها إسناد بعض الأحكام لهذا الدليل بضوابطه المعتبرة.
المبحث الأول: تطبيقات قديمة
والمراد بها المسائل التي عمل بها السلف (الصحابة ومن تبعهم) مستندين فيها إلى دليل المصلحة، وقد أورد الباحثون في المصلحة عددًا منها، عامّتها يرجع إلى تنظيم أمور الحياة مع تطور الدولة ونشأة النُّظم واتساع المطالب.