الصفحة 15 من 32

لئلا يُسترسل في السعي خلف المصالح الموهومة، أو البعيدة الظنّ وقوعها، وهو ماعبّر عنه الغزالي في شروطه المصالح بقوله:"قطعية". ( [59] )

فخرج بذلك ما إذا كانت المصلحة غير مقطوع بتحقّقها، مثل قتل المسلم الذي تترّس به الكفّار في القلعة، لايجوز إذا لم يُقطع بقتل الكفار المتترّسين، وكذا في مثال ضرب المتّهم بالسرقة السالف ذكره؛ لأنه غير مقطوع بوجود المال لديه ( [60] ) .

ومن مسالك وهم المصالح المعاصرة تلك التي تقتصر في رسم المصالح المنشودة على مصالح دنيوية خالصة تتعلق بشهوة المال والجنس - مثلًا -، وهي فوق كونها مناقضة لأحكام شرعية ثابتة بنصٍ أو إجماعٍ، فإنها محض وهم، حتى على ميزان المصالح الدنيوية الخالصة!

حين يُنادى بتشريع الرّبا تحقيقًا لمصلحة تنشيط الحركة التجارية والنهوض بها، أو الاختلاط بين الجنسين في مقاعد التعليم والتوظيف وسائر مرافق المجتمع تحقيقًا لمصلحة تهذيب الخُلق وتخفيف كبت الغريزة وشَرَه الشهوة للجنس الآخر، فهذه وأمثالها فوق كونها مصادمة للنص الشرعي وأحكامه؛ فإنها تنشد مصالح موهومة: فالرّبا يُفسد حركة التجارة ويشُلّ عصب حراكها، ويقلب مبدأ حياتها من الاتجار بالمال إلى الاتجار في المال، والاختلاط يزيد النار ضرامًا، ويثير ساكن الغرائز، ويفجّر هائجها، فتتحول الطباع البشرية إلى حيوانية بهيمية جنسية سافلة.

سادسًا: عموم المصلحة:

والمراد عَوْد نفعها المترتّب على تحقيقها على عامة الناس أو أكثرهم، وهو ما أراده الغزالي بوصف:"كلّية" ( [61] ) ، فخرج بذلك المصالح الشخصية العائدة لفرد أو أفراد محدودين، ومثّل له الغزالي برمي أحد ركاب السفينة لإنجاء بقيتهم عند خوف الغرق، فإنّ مصلحة نجاة البقية ليست عامة (كلية) ؛ لأنها ليست راجعة لجميع المسلمين بل إلى عدد محصور منهم وهم ركاب السفينة.

ووجه ذلك: أن المصالح الشخصية أهواء وحظوظ نفس، فلا ترتقي إلى أن تبلغ درجة الاحتجاج لتشريع الأحكام بناءً عليها!!

وعندئذ فلا مدخل لفتاوى الإباحة بتملّك أموال وحقوق الآخرين تذرّعًا بتحقيق مصالح شخصية لأمير أو عظيم؛ لأن المصالح ما لم تكن عامة النفع فلا عبرة لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت