تنبيه: معارضة المصلحة للنصّ المشترط عدمها هنا هي المعارضة لِلفظه ومعناه؛ إذ قد تعارضُ المصلحةُ ظاهرَ النص وهي محقّقة لمعناه، وموقف أحد فريقي الصحابة - رضي الله عنهم - من قوله - صلى الله عليه وسلم:"لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة" ( [55] ) أوضح شاهد ذلك، حين خالفوا ظاهر اللفظ مراعاةً لمصلحة المحافظة على الصلاة في وقتها، فلا تُعتبر مصلحةً مصادمةً للنص أو معارضةً له، كيف وقد أقرّهم النبي - صلى الله عليه وسلم -؟!
وهذا بابٌ دقيقٌ ومسلكٌ خفيّ جدًا، وهو العدول عن ظاهر لفظ النصّ إلى معناه أو علّته كليًا أو جزئيًا، وبين هذه الموازنة القائمة على مراعاة لفظ النص وعلّته وبين عقلنة النص شعرةٌ لا يستبينها إلا الراسخون والربانيون من أهل العلم.
ثالثًا: عدم معارضة المصلحة للإجماع:
وهو ضابط متحققٌ كذلك بمجرّد وصف المصلحة المراد الاحتجاج بها بأنها (مرسلة) ؛ إذ الإجماع دليل شرعي تتقرّر به الأحكام، فما عارضه من المصالح لم يبقَ مرسلًا، بل مُلغىً شرعًا.
وإنما أُفرد عن النصّ الشرعي لكونه دليلًا مستقلًا، وقد تقدّم شذوذ الطوفي في تقديمه المصلحة على الإجماع والنصّ، وتصدّى الباحثون للجواب عنه.
رابعًا: عدم معارضة المصلحة لمصلحة أرجح منها:
ومثّل لها الغزالي بضرب المتّهم بالسرقة حتى يُقِرّ، ونسبه للإمام مالك ( [56] ) - وهو في الحقيقة قول لسحنون لا لإمامه ( [57] ) ، ووجهه: معارضة مصلحة تحصيل المال - المراد تحقيقها بإقراره - بمصلحة حفظ نفس المتّهم - الفائتة بضربه -، والأخيرة أهمّ وأرجح؛ لتعلّقها بحفظ النفس المقدّم رتبةً على حفظ المال.
وهذا الضابط عامٌ في باب المصالح، فإنّ قانون التعارض بين المصالح المقرّر في مقاصد الشريعة يقضي بتقديم الراجح على المرجوح، فإذا كان هذا في المصالح الشرعية المعتبرة، فالمرسلة من باب أولى ( [58] ) ، وهو جزء من أصل عظيم في الأدلّة الشرعية كلّها إذا ظهر تعارضها وتعذّر الجمع بينها، فالصيرورة إلى العمل بالراجح وترك المرجوح هو المسلك المعتبر.
والضوابط الثلاثة (عدم معارضة المصلحة للنص، وعدم معارضتها للإجماع، وعدم معارضتها لمصلحة أرجح منها) يمكن جمعها في ضابط واحد: عدم معارضة المصلحة لما هو أرجح منها.
خامسًا: تيقّن تحقيق المصلحة أو غلبة الظنّ به: