تنويه: تفسير الملاءمة بهذا المعنى المتّسع يُغني عن اشتراط وصف المناسبة في المصلحة المرسلة التي يُراد الاحتجاج بها؛ إذ كان من المعلوم انقسام الوصف لدى الأصوليّين إلى: مؤثّر وملائم وغريب، وربما أسموه (مناسبة) - على تفاوت بينهم في حدودها والفرق بينها -، وترتّب على ذلك خلاف في تحديد المصلحة المرسلة القائم حولها خلاف الإمام مالك مع غيره، وهل هي المصلحة ذات الوصف المناسب (الملائم) المعهود من الشارع اعتبار جنسه فحسب، أم تتناول المصلحة ذات الوصف (الغريب) وهو ما لم يُعهد من الشارع اعتبار جنسه؟ ( [51] )
فإن رُمنا قصرها على الأول فقط استغنينا بشرط الملاءمة عن ذكره هنا ( [52] ) ، والله أعلم.
ثانيًا: عدم معارضة المصلحة للنصّ الشرعي:
وهذا شرط متقرّر سلفًا، ومستغنًى عن ذكره بغيره من وجهين:
أمّا كونه متقرّرًا: فلأن ّ المصلحة التي يُفصَّل القول في ضوابط الاحتجاج بها هنا هي المصلحة المرسلة، أي التي لم يتناولها الشرع باعتبار ولا إلغاء، فما كان معارِضًا للنص الشرعي فهو ملغي لا مُرسل، فخرج بذلك عن حدود المصلحة محلّ الضوابط!
إلا ما كان من الطوفي في رأيه الذي شذّ به - وقد تقدّم -، وهذا أحد أوجه الردّ عليه.
وأمّا كونه مستغنىً عن ذكره بغيره من وجهين فإنه:
1 -تقدّم في ضوابط الاعتبار: تعظيم النصّ، ومن مقتضياته ولوازمه عدم تقديم أيّ مصلحة تعارض النصّ الشرعي، غير أن ذلك ضابط في الاعتبار ذاته لدى المجتهد، وهذا ضابط في عين المصلحة المراد الاستدلال بها، وبينهما من التلازم ما أشرت إليه.
2 -تقدّم في الضابط الأول: ملاءمة مقاصد الشريعة، ومن معانيها كما قرره الشاطبي:"ألا تنافي أصلًا من أصوله، ولا دليلًا من دلائله".
غير أنّ ذلك الضابط أعمّ، وهذا خاص، وقد يحسن التخصيص للتنصيص على ما يتعيّن الاعتناء به. ( [53] )
وقد أفاض البوطي في هذا الضابط، مخصِّصًا دليل القرآن بضابط، ودليل السنة بآخر، مُوردًا بعض شُبه المنادين بالاحتجاج بالمصلحة بإطلاق ومفنّدًا لها. ( [54] )