الصفحة 12 من 32

لينادي أحدهم بإسقاط وجوب العبادات الكبرى في الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج , بحجّة أن الشريعة إنما جاءت بأحكامها المصلحة تناسب ذلك العصر , فإذا تحققت مقاصدها في ترقية الروح وتحقيق العدالة بأشكال أخرى فنحن لسنا ملزمين بتفاصيلها التشريعية! ( [47] )

سبحانك .. هذا بهتان عظيم!!

المبحث الثاني: ضوابط المصلحة المحتجّ بها

أولًا: أن تكون ملائمة لمقاصد الشريعة:

والمقصود بذلك موافقة المصلحة المحتجّ بها لمقاصد الشريعة واندراجها في مثل أحد فروعها المعتبرة شرعًا , وهذا ضابط يحقق كون الوصف المنظورة"مصلحة", بمعنى تحقيقه نفعًا مقصودًا شرعًا، أو دفعه ضررًا مقصود دفعه شرعًا , ويُلغى الوهم الذي يظنّ عند البعض مصلحة , وهو في حقيقته مناقض لشيء من أصول الشريعة أو أدلّتها.

قال الشاطبي:"الملائمة لمقاصد الشرع بحيث لا تنافي أصلًا من أصوله ولا دليلًا من دلائله". ( [48] )

ولا يتأتّى تحقيق هذا الضابط إلا بالضابط الأول من ضوابط الاعتبار , وهو أهلية الناظر في المصلحة وإداركه لمقاصد الشريعة , وهو ما يغلق الباب تمامًا على دعاوى رعاية المصالح من قِبَل الجهّال وأرباب الأهواء.

ويؤكّد الغزالي ذلك بقوله:"فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصودٍ فُهِم من الكتاب والسنة والإجماع وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرّفات الشرع فهي باطلة مطروحة , ومن صار إليها فقد شرّع". ( [49] )

وهذا ضابطٌ من الدقّة بمكان, ويكفل قفل باب الفوضى في الشريعة والعبث في أحكامها باسم المصلحة؛ إذ الحكم بأن وصفًا مّا:"مصلحة"ملائمة لمقاصد الشرع , لا يؤتاه إلا عالم راسخ مكين، قد تشرّب من أصول الشريعة وفروعها وتضلّع , ومن جميل قول العزّ بن عبد السلام في ذلك:

"ومن تتبّع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأنّ هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأنّ هذا المفسدة لا يجوز قربانها , وإن لم يكن فيها إجماع أو قياس ولا نص خاص , فإنّ فهم نفس الشرع يوجب ذلك , ومثل ذلك أنّ من عاشر إنسانًا من الفضلاء الحكماء العقلاء، وفهم مايؤثره ويكرهه في كلّ ورد وصدر، ثم سنحت له مصلحة أو مفسدة لم يعرف قوله فيها، فإنّه يعرف بمجموع ماعَهِده من طريقته وأَلِفَه من عادته أنه يؤثر تلك المصلحة ويكره تلك المفسدة". ( [50] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت