الصفحة 11 من 32

والآخر: تقديم مصلحة الدّين على ما عداها عند التعارض , وعدم الانصراف عنها إلى مصلحة أخرى دنيوية مهما بدت الحاجة إليها وشدّة تَوَقان النفوس إلى تحصيلها , وبهذا يتحقّق كون المصلحة منبثقةً من مشكاة الشريعة - وإن لم تكن من منصوصها -، لا مناهضةً أو منافسةً أو مزاحمةً لها.

وقد قال الغزالي - جوابًا على اعتراض القاضي في الاستدلال بالمصلحة:"إلا أنّهم - أي القائلين بالمصلحة - يقولون: نحن مع المصالح بشرط ألا نهجهم على نصّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالرفع". ( [43] )

ثالثا: إعمال المصلحة في العادات دون العبادات:

لأنّ مبنى العبادات على التوقيف والاقتصار على مورد النص , وأمّا باب العبادات فمعقول المعنى , وقائم على تحقيق مصالح العباد الدنيوية على تنوّعها.

والاتّفاق في الأمّة منعقدٌ على عدم جريان اعتبار المصالح في باب العبادات , وبيان ذلك من وجوه ثلاثة:

أولها: أنه القدر المشترك بين الظاهرية نفاة الرأي والقياس والمعنى وبين الجمهور،"فالظاهرية لا يفرّقون بين العادات والعبادات , بل الكل تعتبر غير معقولة المعنى" ( [44] ) ، والجمهور يستثنون باب العبادات؛ لأنّ الأصل فيها الحظر والتوقيف , فكان باب العبادات موضع وفاق في عدم جريان اعتبار المصالح فيه.

ثانيها: أنّ مذهب الإمام مالك - وهو أوسع المذاهب وأكثرها عناية بالمصالح - قائم على اعتبارها في العادات دون العبادات , قال الشاطبي:"التزم مالك في العبادات عدم الالتفات إلى المعاني , وإن ظهرت بادئ الرأي؛ وقوفًا مع ما فهم من مقصود الشارع فيها من التسليم على ماهي عليه , بخلاف قسم العادات الذي هو جارٍ على المعنى المناسب الظاهر للعقول , فإنّه استرسل فيه استرسال المدِلّ العريق في فهم المعاني المصلحية , نعم مع مراعاة مقصود الشارع وألا يخرج عنه ولا يناقض أصلا من أصوله". ( [45] )

ثالثها: أنّ توسّع الطوفي في مذهبه الذي شذّ به وتفرّد في تقديم المصلحة على النصّ مقيدٌ بكونه في العادات؛ لأن قوامها على مصالح العباد , بخلاف العبادات. ( [46] )

فإذا كان أوسع المذاهب اختيارًا في الاحتجاج بالمصلحة يشترط ألا يقع ذلك في العبادات , فليت شعري .. أين يقع هراء وجهالة بعض المعاصرين من المنادين باعتبار المصالح حتى في العبادات من وفاق الأمة وإطباقها المذكور؟!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت