فكانت هذه الرسالة شريعة للناس كافة إلى يوم القيامة، وفيها حكم كل واقعة. ولما كانت حياة الناس فيها من الوقائع والنازلات والقضايا والمشكلات ما هو مستجدّ دائمًا، فقد وجب دائمًا وجود من يعرف حكم الله في كل ما يستجد، وهذا يقتضي وجوب معرفة المصادر التي تؤخذ منها الأحكام. وهي أحكام شرعية، وقد نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها وحيًا، (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) (1) . ولذلك فالمصادر التي تؤخذ منها الأحكام، أي مصادر التشريع أو أصول التشريع، هي ما يثبت قطعًا (2) أنها وحي من عند الله، إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ومن هذه المصادر ما هو متفق عليه بين المسلمين ومنها ما هو مختلف فيه.
مصادر التشريع يجب أن تكون قطعية
... مصادر التشريع في الإسلام هي الجهات التي أودع الله سبحانه وتعالى فيها أوامره ونواهيه. ولذلك يُعد بحث المصادر من أهم أبحاث أصول الفقه بعد بحث الحاكم، والموضوعان مرتبطان ارتباطًا مباشرًا.
... ... ومصادر التشريع من الأصول الكلية، لذلك فهي تُلحق بالعقائد من حيث كونها كلية، ومن حيث وجوب أن تكون قطعية. فكما أن العقائد لا تستفاد بالظن، ولا يجوز أن يكتفى في أخذها بالظن لقوله تعالى: (وما يتبع أكثرهم إلا ظنًا، إن الظن لا يغني من الحق شيئًا) (3) ولغيرها من الآيات، كذلك أصول الفقه، لا تؤخذ بالظن، ولا يُعَدُّ من الأصول ما كان ظنيًا.
(1) النجم / 3-4
(2) كما سنبين تحت العنوان التالي.
(3) يونس /36.