ويستدل بما قدمنا على أن لا حكم قبل ورود الشرع، إذ قبل ورود الشرع ليس ثمة وسيلة يعرف بها حكم الله. وما يصل إليه العقل من أحكام، وما يتواطأ عليه الناس من قوانين وأعراف، لا ينبني عليه ثواب ولا عقاب، إذ طاعتها ليست طاعة لله، ومخالفتها ليست مخالفة لله، فهي ليست أحكامًا من الله سبحانه وتعالى. قال الشاطبي (1) :"والأصل في الأعمال قبل ورود الشرائع سقوط التكليف، إذ لا حكم عليه قبل العلم بالحكم، إذ شرط التكليف عند الأصوليين العلم بالمكلف به".
مصادر التشريع
تمهيد
... لما كان الله سبحانه وتعالى هو المشرع وحده، لَزِمَ الإنسانَ أن يعرف شريعته ليعرف بماذا يؤمن، وكيف يعبد الله، وكيف يقضي حاجاته ويعالج مشكلاته ويقيم حياته مع غيره من البشر. ومن هنا كان الناس على مر العصور محتاجين للرسل ليبلغوهم شرائع الله سبحانه وتعالى.
وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وكانت رسالته خاتمة الرسالات. وقد انتقل صلى الله عليه وسلم بعد أن بلغ الرسالة إلى جوار ربه تاركًا فينا القرآن والسنة. وقد قال:"... عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور.." (2) . وقال تعالى: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) (3) . وقال: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا) (4) .
(1) الموافقات ج4، ص 200.
(2) رواه أبو داود في كتاب السنة.
(3) الشورى / 10.
(4) النساء / 59.