صحيح أن العقول قد تتفق على استحسان أمور واستقباح غيرها، كاستحسان الصدق واستقباح الكذب، وكاستحسان العدل واستقباح الظلم، إلا أن هذا الاستحسان أو هذا الاستقباح ناتج عن طبع فطري في الإنسان -أي هكذا جبله الخالق- فهو يميل إلى أمور وينفر من أمور، ولكن هذا الميل أو هذا النفور لا دخل له بتحديد الثواب والعقاب، فهو يؤثر في موقف الإنسان من حيث هو إنسان -أي فيه كل خصائص الإنسان من عجز ونقص واحتياج، وحب وبغض، وأثَرة وإيثار، ورضا وغضب، وعلم وجهل، وذكاء وغباء، ونسيان وعَيٍّ وما إلى ذلك- ولا ينبني عليه ثواب أو عقاب، فالثواب والعقاب يتوقّفان على طاعة أو عدم طاعة الذي يثيب ويعاقب. وعليه فاستحسان العقل أو استقباحه لشيءٍ ما أو لفعل ما، لا شأن له في استحقاق ثواب أو عقاب، ولا يحدد ما هو الحسن وما هو القبيح في الشرع. والحكم الذي يتوقف عليه استحقاق الثواب أو العقاب هو حكم الله وحده، فكان الحاكم هو الله وحده. وكان الحسن هو ما أمر به الله، والقبيح هو ما نهى عنه الله.
... ولذلك فإنا نرى أن الكذب الذي ينفر منه الطبع يكون حسنًا أحيانًا كما في الحرب أو على الزوجة أو للإصلاح. والظلم كذلك، فإن ما قد يراه العقل ظلمًا قد يكون عدلًا والعكس صحيح، لأن العقل في أحكامه، والذوق في ما يستسيغه متأثران إلى حد بعيد بما اعتادا عليه في محيطهما.
وقد دل الشرع أيضًا على أن الحاكم هو الله سبحانه وتعالى وحده. قال تعالى: (إن الحكم إلا لله) (1) . وقال: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخِيَرةُ من أمرهم) (2) ، وقال: (ألا له الخلق والأمر) (3) .
وعليه فالحاكم هو الله سبحانه وتعالى وحده. وإن وجد خلاف بين المتكلمين في مسألة التحسين والتقبيح بالعقل، فلا خلاف بينهم أن الحاكمية لله وحده.
(1) الأنعام / 57. ويوسف /40، 67.
(2) الأحزاب/ 36.
(3) الأعراف/ 54.