... ... وإذا جاز قبول مصدر للتشريع بناء على الظن، فهذا يعني جواز عدّ الظن أو غلبة الظن بأي جهة كلية وحيًا. ومثاله كأن يُقالَ إن الإنجيل والتوراة من مصادر التشريع، لأنهما وإن كانا محرفين حسب نص القرآن، فإنه من الجائز عقلًا وشرعًا أن يكون بعضٌ من نصوصهما غير محرف، وهذه النصوص يصبح من الممكن الاستدلال بها على الأحكام عند من يرى أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا، لأن بعض النصوص قد يتعلق بها الظن أنها غير محرّفة، تمامًا كما أن السنة مصدر للأحكام مع وجود أحاديث ضعيفة أو موضوعة فيها. ولكن هذا باطل لما روي عنه عليه السلام أنه رأى مع عمر بن الخطاب قطعة من التوراة ينظر فيها، فغضب وقال:"ألم آتِ بها بيضاء نقية، لو أدركني أخي موسى لما وسعه إلا اتباعي" (1) .
... ... وأيضًا لو اكتفينا بالظن في الأصول لوجب عدّ رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء النوم مصدرًا، لقوله صلى الله عليه وسلم:"من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة" (2) ، وغيره مما يفيد المعنى نفسه، ولم يقل أحد ممن يعتد برأيه بمثل هذا القول (3) .
... ... لذلك فالأصول كالعقائد يجب أن تكون يقينية، فكما لا تؤخذ العقيدة إلا عن يقين، فكذلك لا تعتبر الأصول إلا باليقين، والظن لا يعتبر إلا في الفروع. ولذلك كان خبر الآحاد حجة في الأحكام ولم يكن حجة في العقائد.
(1) رواه أحمد في مسنده.
(2) رواه الشيخان واللفظ للبخاري.
(3) ذكر الغزالي في المستصفى أن القول بالرؤى كمصدر للتشريع منسوب إلى بعض المبتدعة. ج2.