... والمعنى الثاني للمناسب هو ما يصح للعقل أن يحكم فيه وأن يقرره -وهذا يتحتم أن يكون خارج أمور التشريع، لأن التشريع تحسين وتقبيح، والعقل لا دور له فيهما- أو أن يكون مما أبيح للإنسان أن يحكم فيه. وهذا المعنى فيه أنواع، فقد يكون فيه ما يُرْجَعُ فيه إلى الخطأ والصواب، أو ما يرجع فيه إلى العرف أو إلى الطبع والمزاج. مثال الأول دخول الحرب بأسلحة قديمة ضد عدوّ يستعمل أحدث أنواع الأسلحة، فهذا يقال فيه إنه خطأ وغير مناسب. والثاني: كالزيارة بعد منتصف الليل أو وقت القيلولة، فهذا أيضًا يُستعمل فيه قول: غير مناسب. والثالث كأن يقال: هذا اللون يناسب هذا اللون أو لا يناسبه، أو هذه الحبّات متناسبة مع بعضها لتكون في سلك واحد. وقد يكون من المناسب أمور يعسر وضعها تحت نوع معين، كقول: هذان الزوجان يناسب كل منهما الآخر، فقد تكون المناسبة عائدة إلى الطباع أو إلى الميول أو إلى الاهتمامات عند كل منهما أو غير ذلك.
... وهذا المعنى الثاني للمناسبة لا يفيد في التعليل لأن الذي حكم بها هو العقل وحده. فكانت العلة علة عقلية، وكان الحكم حكمًا عقليًا. ولم تكن العلة شرعية ولا الحكم شرعيًا.