... وينقل الشوكاني عن الرازي قوله (1) :"المناسبة ما تضمن تحصيل مصلحة أو درء مفسدة، فالأول كالغنى علة لوجوب الزكاة، والثاني كالإسكار علة لتحريم الخمر". وينقل أيضًا عن ابن الحاجب تعريفه للمناسب (2) :"المناسب وصف ظاهر منضبط يحصل عقلًا من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودًا من حصول مصلحة أو دفع مفسدة"، والتعاريف هذه كلها تُدلي بالمعنى نفسه تقريبًا.
... ويرى سيف الدين الآمدي أن الأصح في تعريف المناسب (3) :"هو عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودًا من شرع الحكم"، وهذا التعريف يختلف عن التعاريف السابقة بأنه لا يظهر للعقل دورًا في تقرير المناسبة، وبالتالي في تقرير العلة وبالتالي في التشريع بالعقل.
... وعلى الاختلاف في فهم واقع المناسب ينبني اختلاف وتفصيل في قبوله كأصل في الدلالة على التعليل أو ردّه أو التفصيل فيه. ولذلك نجد أئمة الأصول ذكروا في المناسب أقسامًا: المؤثر والملائم والغريب.
... وعند التحقيق في معنى المناسب يتبين أنه يطلق بإزاء معنيين. الأول: ما ليس للعقل أن يحكم فيه أو يقرر، وليس إلا أن يفهم المناسبة من النص أو النصوص الدالة عليها. والمناسبة بهذا المعنى هي المناسبة بين الحكم والوصف، وهي المناسبة التي جعلها بعض الأئمة من الدلائل على عِلّيّة ذلك الوصف لذلك الحكم. فالمناسبة بهذا المعنى لا بد أن يدل عليها الشرع، وأن يفهم الفقيه أو المجتهد تلك الدلالة فهمًا من النص أو النصوص. وزيادة في التأكيد والتوضيح فإن هذا المعنى لا يتضمن أن يعين الفقيه أو المجتهد المناسبة بعقله، لأن هذا هوىً وتشريع بالعقل.
(1) إرشاد الفحول.
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه.