... وإلى هذا يذهب بعض الأصوليين (1) ، فيعدّون المصالح علة للشريعة، وجلب المصالح ودرء المفاسد عللًا للأحكام الشرعية. فالآمدي مثلًا يعد المصلحة وصفًا يصح نصبه علة للحكم، ولكنه يشترط أن يدل الدليل على كونه مصلحة حتى يكون معتبرًا. وهو يعقد لذلك فصلًا فيقول (2) :"الفصل الثامن في إقامة الدلالة على أن المناسبة والاعتبار دليل كون الوصف علة وذلك لأن الأحكام إنما شرعت لمقاصد العباد، أما أنها مشروعة لمقاصد وحكم فيدل عليه الإجماع والمعقول".
... والشاطبي يرى أن العادات مما اعتبر الشارع فيها الالتفات إلى المعاني، أي العلل، ويرى العلل مصالح، فيقول (3) :"الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني... فإنا وجدنا الشارع قاصدًا لمصالح العباد، والأحكام العادية تدور معه حيث دار، فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحة جاز كالدرهم بالدرهم إلى أجل، يمتنع في المبايعة ويجوز في القرض.. وأن الشارع توسع في بيان العلل والحكم في تشريع باب العادات... وأكثر ما علل فيها بالمناسب الذي إذا عرض على العقول تلقته بالقبول، ففهمنا من ذلك أن الشارع قصد فيها اتباع المعاني لا الوقوف مع النصوص، بخلاف باب العبادات..".
(1) وإلى هذا أيضًا يذهب معظم الكتاب العاصرين في الأصول، سنورد بعض آرائهم لاحقًا.
(2) الإحكام، ج3، ص 285.
(3) الموافقات، ج2، ص225.