... وهكذا فالشاطبي يرى من استقراء الشريعة، أي من النظر في جزئياتها، أن أحكامها لها مقاصد هي جلب المصالح ودرء المفاسد، وإذا أمر الشارع بأمر ووجد العقل أن في الأمر إلى جانب المصلحة مفسدة، فالمقصود من الأمر المصلحة، والمفسدة ليست مقصودة، وكذلك إذا نهى عن أمر وكان فيه بنظر العقل إلى جانب المفسدة مصلحة، فالمصلحة ليس مقصودة بالنهي، وإنما المفسدة هي المقصودة. ويرى أن هذا يجري في جميع تفاصيل الشريعة، أي أن المصلحة التي لا نص فيها، فإنها تجري المجرى نفسه، فتُعطَى الحكمَ بناءً على ما فيها من جلب مصلحة أو درء مفسدة. يقول (1) :"كل أصل شرعي لم يشهد له نص معين، وكان ملائمًا لتصرفات الشرع ومأخوذًا معناه من أدلته فهو صحيح يبنى عليه، ويرجع إليه إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعًا به، لأن الأدلة لا يلزم أن تدل على القطع بالحكم بانفرادها دون انضمام غيرها إليها .. ويدخل تحت هذا ضرب الاستدلال بالمرسل الذي اعتمده مالك والشافعي، فإنه وإن لم يشهد للفرع أصل معين، فقد شهد له أصل كلي، والأصل الكلي إذا كان قطعيًا قد يساوي الأصل المعين"لكن الشاطبي يضع ضابطًا لاعتبار المصلحة التي لا نص فيها، فيقول (2) :"لا بد من اعتبار الموافقة لقصد الشارع، لأن المصالح إنما اعتبرت مصالح من حيث وضعها الشارع كذلك"، وكذلك يشترط أن لا تكون المصلحة ملغاة في نظر الشريعة.
عِلّيّة جلب المصالح ودرء المفاسد
(1) الموافقات، ج1، ص 15.
(2) الموافقات، ج1 ، ص 16.