ويذهب كثير من الأصوليين إلى هذا التقسيم، وأن المصالح التي ترعاها وتجلبها الشريعة تقع في هذه المراتب الثلاث: الضرورية والحاجية والتحسينية، ويذهب معظم من كتب في هذا الموضوع في عصرنا إلى القول بهذه المقاصد ويقسمونها بنفس الكيفية، أي إلى ضرورية وحاجية وتحسينية. والمقاصد الضرورية يكاد يتفق الأئمة الأصوليون على أنها خمسة، وهي: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وقد جعلها البعض ستة فأضاف حفظ العرض. ولم يُسَلَّمْ باتفاق الشرائع على الخمسة المذكورة. قال الشوكاني في إرشاد الفحول (1) :"واعترض على دعوى اتفاق الشرائع على الخمسة المذكورة بأن الخمر كانت مباحة في الشرائع المتقدمة وفي صدر الإسلام، ورُدّ بأن المباح منها في تلك الشرائع هو ما لا يبلغ حد السكر المزيل للعقل فإنه محرم في كل ملة كذا قال الغزالي. وحكاه ابن القشيري عن القَفَّال ثم نازعه فقال: تواتر الخبر أنها كانت مباحة على الإطلاق ولم يثبت أن الإباحة كانت إلى حد لا يزيل العقل. وكذا قال النووي في شرح مسلم، ولفظه: وأما ما يقوله من لا تحصيل عنده أن المسكر لم يزل محرمًا فباطل لا أصل له انتهى"يضيف الشوكاني (2) :"قلت: وقد تأملت التوراة والإنجيل فلم أجد فيهما إلا إباحة الخمر مطلقًا من غير تقييد بعدم السكر بل فيهما التصريح بما يتعقب الخمر من السكر وإباحة ذلك فلم يتم دعوى اتفاق الملل على التحريم. وقد زاد بعض المتأخرين سادسًا وهو حفظ الأعراض فإن عادة العقلاء بذل نفوسهم وأموالهم دون أعراضهم وما فدي بالضروري فهو بالضرورة أولى وقد شرع في الجناية عليه بالقذف الحد..". وكذلك عدّ القرافي المقاصد الضرورية ستة وسماها الكليات (3) .
(1) إرشاد الفحول، ص 216.
(2) إرشاد الفحول، ص 216.
(3) انظر: شرح تنقيح الفصول، ص 392.