الصفحة 21 من 138

أما العرف (1) فقد اعتبره بعض المجتهدين وَرَدَّه آخرون، وتتبع الأقوال في العرف يدل على أنه لا ينهض له دليل. وما عُدَّ عند البعض أدلة على العرف إنما هو من قبيل الاصطلاح (2) كاللغات والاصطلاحات الخاصة أو من قبيل التقدير (3) ، كتقدير الأجور أو المهور، أما العرف وهو العادة المنتشرة بين جماعة معينة، أو ما يتكرر من أعمال فيصبح عرفًا، فانتشاره أو الاعتياد عليه ليس دليلًا ولا يجعله شرعيًا، وإنما هو يخضع لدلالة الشرع لمعرفة جوازه أو حرمته بالدليل التفصيلي لكل عمل.

أما القول بإجماع أهل المدينة، فهو منسوب إلى المالكية، وهو عند الإمام مالك رحمه الله عمل أهل المدينة. وقد ردّه الجمهور. والقول به في عصر مالك وجيه جدًا، إذ عصره عصر التابعين (4) ، والمدينة مَجْمَعُ العلم والعلماء، وشمسُ الإسلام ومشعُّ نوره، فالعقل يقضي أن يكون اتفاق أهل المدينة في أمر من الأمور استمرارًا لما كان سائدًا في عصر الصحابة رضوان الله عليهم وفي عصر الرسول صلى الله عليه وسلم. إلا أن هذا القول ليس قطعيًا من جهة، ولا يمكن القول باستمراره في كل عصر لاحق. ولذلك فهو ليس دليلًا، وقد سبقت الإشارة إليه في حديثنا عن إجماع الصحابة (5) .

أما مذهب الصحابي فقد قال به الإمام أحمد بن حنبل، والجمهور على أنه ليس دليلًا. وهو يجوز الأخذ به من باب التقليد، وليس من باب حجيته كدليل، إذ الحجة في ما جاء به الوحي. والحجة قائمة في قول الصحابة إذا أجمعوا. أما الواحد أو الاثنان أو الأكثر، فليس قولهم أو فعلهم دليلًا.

(1) المصدر نفسه، ص 242.

(2) فما كان من هذا القبيل أي الاصطلاح أو التقدير فهو معتبر.

(3) المصدر السابق.

(4) الإمام مالك من تابعي التابعين.

(5) انظر ص 23، 24 من هذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت