والواضح من تعريف الاستصحاب -وهو ثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول- أنه منهج في الفهم والاستدلال وليس دليلًا، وهو يقتضيه العقل والنظر السليم، والآمدي لا يعدّ الاستصحاب مصدرًا زائدًا على الأربعة، ولا يحلقه بالأدلة الموهومة عنده، وهو يلحقه بالشرعيات التي تؤخذ بالظن. يقول (1) :"... ما تحقق وجوده أو عدمه في حالة من الأحوال، فإنه يستلزم ظن بقائه، والظن حجة متبعة في الشرعيات".
أما سدّ الذرائع فلا يذكره الآمدي بين الأدلة المعتبرة ولا بين الأدلة الموهومة عنده. وسدّ الذرائع ليس أصلًا، ولكنه قاعدة تندرج تحت قاعدة كلية هي قاعدة مآلات الأفعال، وهذه القاعدة أو الأصل مع القواعد المندرجة تحتها مثل قاعدة سدّ الذرائع، وقاعدة الحيل وقاعدة مراعاة الخلاف وغيرها إنما مرجعها إلى أن الشريعة إنما جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد. وقاعدة سدّ الذرائع معتبرة عند الشاطبي (2) .
أما الاستقراء فهو ليس دليلًا وإنما هو منهج في المعرفة والاستكشاف يقوم استقصاء الأشياء ذات الجنس الواحد أو التي تتمتع بصفات مشتركة وهو منهج في الفهم صحيح عمومًا وليس خاصًا في الشرعيات، والحكم على صحته أو عدم صحته راجع إلى العقل وهو من الأبحاث المنطقية أو الرياضية (3) .
أما الأخذ أقل ما قيل (4) فهو أيضًا ليس دليلًا أو مصدرًا للتشريع، وإنما هو بحث في مناط الأحكام، أي إن الحكم متعلق بهذا المقدار أو بما هو أكبر منه أو أصغر، فهذه المقادير هي مُتَعَلَّق الحكم أي مناطه، وهو إن صح فإنما يكون حكمًا شرعيًا وليس أصلًا. وهو قد يُعدّ في الترجيح.
(1) الإحكام، ج4، ص 127.
(2) الموافقات، ج4، ص 130.
(3) لمعرفة معناه انظر: أثر الاختلاف، البغا، ص 648.
(4) المصدر نفسه، ص 634.