وأكثر أبحاث القياس تدور حول العلة، فإذا اشترط للقياس علة فقد اختلف في هذه العلة، هل هي الباعث على التشريع للحكم المعين، أو هي مقصود الشارع من الحكم أو هي الحكمة من تشريع الحكم، واختلف فيها هل تؤخذ من النص فقط بأن يدل عليها، أو أن للعقل دورًا في استنباطها أو تحديدها.
والقياس كأصل للتشريع مردود عند الظاهرية وعند الشيعة الإمامية، وقد ردّ ابن حزم القياس بعنف. وإن كان ابن حزم مخطئًا لرده القياس فإنه -والله أعلم- لم يكن مخطئًا في رده القياس الذي عِلّته أيُّ أمر جامع.
ولم ينسب نفي القياس إلا إلى الظاهرية وإلى الشيعة الإمامية وإلى بعض المعتزلة.
وفي معرض الخلاف حول العلة يقول الآمدي (1) :"اختلفوا في جواز كون العلة في الأصل بمعنى الأمارة المجردة، والمختار أنه لا بد وأن تكون العلة في الأصل بمعنى الباعث، أي مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم".
وذهب البعض إلى جواز التعليل بأيّ وصف مجرد ولو لم يكن سياق الوصف دالًا على العلّية. قال الآمدي (2) :"ذهب الأكثرون إلى امتناع تعليل الحكم بالحكمة المجردة عن الضابط، وجوّزه الأقلون، ومنهم من فصل بين الحكمة الظاهرة المنضبطة بنفسها والحكمة الخفية المضطربة، فجوّز التعليل بالأولى دون الثانية وهذا هو المختار". ولذلك فقد ذهب الشيخ محمد الخضري بك إلى أن العلة تطلق بإزاء مفهومين:
"الأول- الحكمة الباعثة على تشريع الحكم، وهي مصلحة يطلب به جلبها أو تكميلها، ومفسدة يطلب درؤها أو تقليلها" (3) وهو هنا يقصد أنها تفهم من النص.
الثاني-"ما كان وجوده مظنة لوجود الحكمة" (4) ، وهذا حين تكون الحكمة خفية. والمقصود هنا أنه ليس في النصوص ما يدل عليها لا منطوقًا ولا مفهومًا.
(1) الإحكام، ج3، 202.
(2) المصدر السابق.
(3) أصول الفقه، ص 298.
(4) المصدر نفسه