أما الإجماعات الأخرى فهي ليست أدلة لأنه لم يقم الدليل القطعي عليها. وكذلك فإنه غير مسلَّم بدلالتها على ما استدلوا بها عليه. فكل إجماع غير إجماع الصحابة ليس دليلًا شرعيًا، لأنه لم يقم الدليل القطعي على أنه دليل شرعي، وكل ما استدلوا به هو أدلة ظنية، ولأن الأدلة التي استدلوا بها مع كونها ظنية، وليست بأدلة قطعية، فإنه لا وجه للاستدلال بها على أن الإجماع الذي يدّعونه دليل شرعي.
ولا مجال في بحثنا هذا لاستقصاء أنواع الإجماع الأخرى ومناقشتها.
المصدر الرابع: القياس
وهو كذلك من الأدلة المتفق عليها عند الجمهور، إلا أنه موضع أخذ وردّ وجدل واسع بين القائلين به كما يظهر من تعاريفه المختلفة.
والقياس في اللغة التقدير، وعند الأصوليين اختلفت تعاريفه (1) ، والتعريف الأدق هو: إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت (2) . وأركانه أربعة، وهي: الفرع الذي يراد قياسه، والأصل الذي يقاس عليه، والحكم الشرعي الخاص بالأصل، والعلة المشتركة بين الأصل والفرع. ومثاله تحريم الإجارة عند أذان الجمعة قياسًا على تحريم البيع عند الأذان نفسه لوجود العلة وهي الإلهاء عن صلاة الجمعة. وحكم الأصل وعلته مأخوذان من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعَوْا إلى ذكر الله وذروا البيع) (3) .
فالفرع هنا الإجارة والأصل هو البيع، والحكم الشرعي الخاص بالأصل والذي يجري تطبيقه على الفرع هو التحريم، أي تحريم البيع عند أذان الجمعة، والعلة هي الإلهاء عن صلاة الجمعة.
(1) انظر الإحكام للآمدي، ج3، ص 183- 193.
(2) المصدر السابق.
(3) الجمعة/ 9.