تتطرق التعديل أيضا إلى المواد التي تنص على تصرفات فيها غرر، كالدخل الدائم والمرتب مدى الحياة، والغرر بمعنى الإيهام والتوريط والمخاطرة، وقد حرم الإسلام على الشخص أن يخاطر بماله، ويكون ذلك طمعا منه في أن ينال غنما بلا غرم، وربحا بلا خسارة، ومثال ذلك المقامرة والرهان، حيث يدفع الشخص بماله مع الخوف عليه واحتمال ضياعه، وترقبا لخسارة غيره بلا تقصير ولا غنم عاد عليه، ومتى كان الغرر بهذا المعنى فإنه يدخل حتما في نطاق النهي الذي ورد في قوله تعالى {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} (13) ويترتب على هذا النهي تحريم أكل أموال الناس بالباطل، سواء كان وسيلة ذلك عقدا من العقود أو تصرفا من التصرفات، لأن تحريم النتيجة يستتبع تحريم ما يفضي إليها لذلك اتفق المفسرون على أن الغرر المنهي عنه يدخل في عموم الآية التي نهت عن أكل المال بالباطل فالباطل ما لا يحل شرعا ولا يفيد مقصودا (14) .
ألغى المشرع بموجب هذا القانون بعض المواد من القانون المدني، منها المادة 545 المتعلقة بشرط الاستبدال في الدخل الدائم، والمادة 546 الخاصة بالاستبدال الجبري للدخل الدائم والمادة 739 وهي بعنوان عقود الغرر، ويقصد بها الاتفاق الخاص بالمقامرة أو الرهان، ذلك أن الشريعة الإسلامية تحرم جميع صور المقامرة لأنها تقوم على الغرر، أما الرهان فمنه صور جائزة شرعا كانت تتعداها المادة 740/ 1 في فقرتها الثانية التي تجيز المقامرة في صورة أوراق اليانصيب ولا وجه لهذا الاستثناء في الشريعة الإسلامية، لذلك نص المشرع على إلغاء الأوجه المحرمة وأبقى على الجوائز الخاصة بالألعاب بالشروط التي ذكرتها سابقا، وبصورة عامة فإن هذا القانون والقانون الذي جاء قبله والخاص بتحريم ربا النسيئة خطوة كبيرة في تقنين الشريعة الإسلامية، وقد دلت التجارب على أن هذا التطبيق لم يسفر على وجود عوائق أو مشاكل في
النظام الاقتصادي أو الاجتماعي، وقد عبر الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي عن ذلك بالقول: إن الذي صدر في ليبيا إلغاء صريح فوري لكل مواد القانون المدني المعارضة للشريعة وبدئ بوضع قانون جديد مستمد من الفقه الإسلامي (15) .
يلاحظ مما سبق أن المشرع الليبي اتخذ خطوات جيدة في البداية لتقنين الشريعة الإسلامية وتعديل المعاملات التي تتم بين المواطنين بما يتفق مع أحكامها، على أمل أن يصل تحديث بقية التشريعات ليشمل المعاملات المصرفية، وغيرها من المعاملات الربوية، وكان ذلك أمل اللجنة التي قامت باقتراح التشريعات السابقة، غير أنه للأسف تأخر هذا الأمر كثيرا، لهذا فإن الأخذ بتجربة المصارف الإسلامية وتطبيقها في ليبيا سيكون له الأثر الجيد في تحقيق ذلك الأمل وخدمة الاقتصاد الوطني لسببين: -
الأول: إحجام الكثير من المواطنين عن التعامل مع المصارف تهربا من شبهة الربا.
الثاني: تشدد بعض الواعظين ورجال الدين وحثهم الجمهور على الابتعاد عن المعاملات الربوية، رغم وجود فتاوى تبيح التعامل مع المصارف.
وعندما تأخذ المصارف الليبية بالأساليب التي قامت بها المصارف الإسلامية في عدد من الدول، والتي تبث نجاحها، واتفاقها مع أحكام الشريعة الإسلامية، سيكون إقبال الجمهور على التعامل مع المصارف وإيداع مدخراتها، والاقتراض منها وفي ذلك دعم للاقتصاد الوطني.