المبحث الأول: اتجاه المشرع الليبي
إلى الأخذ بالشريعة الإسلامية في تقنين المعاملات
أثناء تبعية ليبيا لدولة الخلافة العثمانية تم تطبيق مجلة الإحكام العدلية الصادرة سنة 1293 هـ (1876 م) على المعاملات المدنية بين السكان، رغم أنها وجدت معارضة من القضاة والمفتين لأنها جاءت بنصوص قانونية مصاغة في شكل مواد خالية من الأدلة، ويعود ذلك إلى اعتبار أن التقنين في حد ذاته أمر مستحدث لم يكن معروفا في السابق (1) وأثناء الاستعمار الإيطالي تم تطبيق القانون المدني الإيطالي على سكان ليبيا من قبل المحاكم المدنية، وما إن استقلت البلاد سنة 1951 م، حتى استعانت بالشقيقة مصر في وضع تشريعاتها، فكان من بينها القانون المدني الذي صدر بتاريخ 28/ 11/1953 م.
وقد ساهم في إعداد هذا القانون الفقيه القانوني المشهور الدكتور عبد الرزاق السنهوري رحمه الله، الذي قال عنه: صدر التقنين المدني الليبي، وهو كأخيه التقنين المدني السوري لا تكاد توجد فروق بينه وبين التقنين المدني المصري (2) غير أن هذا التشابه لم يمنع من وجود فروق بين التشريعين، ذلك أن القانون المدني الليبي جعل الشريعة الإسلامية هي المصدر الثاني في التطبيق وقدمها على العرف إذا لم يجد القاضي النص القانوني الذي يطبقه على الواقعة المعروضة، بينما تأتي بعد العرف في القانون المدني المصري، وتم تبرير ذلك بأن المجتمع الليبي لا توجد به أقليات غير إسلامية، عكس الحال في مصر حيث توجد فيها مثل هذه الأقليات المسيحية، ولكن هذا الفارق لا يغير من حقيقة كون القانون المدني المصري الذي وضع سنة 1948 م يرجع في أصوله التاريخية إلى مدونة نابليون الصادرة عام 1804 م (3) .
لا يخلو القانون المدني الليبي عند صدوره سنة 1953 م من وجود نصوص تستند إلى أحكام الشريعة الإسلامية، منها مثلا التزامات الجوار المنصوص عليها في المادة 816، وأحكام العلو والسفل المنصوص عليها في المادتين 863 - 864، وأحكام الشفعة المنصوص عليها في المواد
939 -952، وأحكام المغارسة المنصوص عليها في المواد 1003 - 1012، وهذه الأخيرة لا يوجد لها نظير في القانون المدني المصري، وأحكام المزارعة والمساقاة، فقد نص عليهما المشرع الليبي في أحكام عقد الإيجار، ولكنه نص عليهما أيضا في الحقوق العينية (4) إلى غير ذلك من القواعد التي تعود إلى أحكام الشريعة الإسلامية، والتي تعتبر من البداية تقنينا لها منذ صدور القانون المدني الليبي، إلا أن ذلك لا يعني أن كافة أحكامه مطابقة للشريعة الإسلامية فقد نقلها المشرع عن القانون المدني المصري المتأثر بالقانون الفرنسي كما سبق القول، الأمر الذي جعل المشرع الليبي يتدخل بتعديل الكثير من أحكام القانون المدني لكي يوافق الشريعة الإسلامية في أحكامها، وهذا ما سنبحثه فيما يلي: -
إن أهم التعديلات التي تمت في القانون المدني الليبي لتنقيح نصوصه بما يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية، هي: القانون رقم 74 لسنة 1392هـ / 1972 م بتحريم ربا النسيئة في المعاملات المدنية والتجارية، والقانون رقم 86 لسنة 1392 هـ / 1972 م في شأن تحريم بعض عقود الغرر في القانون المدني، والقانون رقم 38 لسنة 1977 م بتقرير بعض الأحكام الخاصة بالملكية العقارية، بعد أن قدمتها اللجنة العليا لمراجعة التشريعات المعمول بها واقتراح تعديلها بما يتفق مع المبادئ الأساسية للشريعة الإسلامية، وندرس ذلك في المطالب التالية: -.