ويتجلى المسار التطبيقي أيضًا في جهود علماء أصول الفقه الذين يعدون من أوائل الباحثين في علاقات الألفاظ بمعانيها؛ لأنها مناط أحكامهم. فهم يركزون في عملهم على الأدلة الشرعية أو المبادئ التي يقوم عليها التشريع من جهة، وعلى الأدلة اللغوية أو معرفة معاني الألفاظ العربية لمعرفة مقاصد الكتاب والسنة من جهة أخرى. وفي هذا الصدد يقول الآمدي:"وأما غاية علم الأصول، فالوصول إلى معرفة الأحكام الشرعية التي هي مناط السعادة الدنيوية والأخروية. وأما مسائله فهي أحوال الأدلة المبحوث عنها فيه مما عرفناه، وأما ما منه استمداده فعلم الكلام (1) ، والعربية، والأحكام الشرعية" (2) . ومن هنا كان اهتمام علماء الأصول الكبير باللفظ فتتبعوه"مفردًا ومركبًا، مطلقًا ومقيدًا، خاصًا وعامًا، أمرًا ونهيًا، حقيقة ومجازًا، وفصلوا القول في المعنى من حيث ظهوره وخفاؤه وكيف نتعرف المقصود منه، وسجلوا أدق الفروق بملاحظتهم مراتب المعاني في الألفاظ، ووضعوا القواعد لفهم النصوص واستنباط الأحكام منها". (3) وفي إطار محور المفاضلة بين اللفظ والمعنى والتي سادت المبحث البلاغي والنقدي على وجه الخصوص، يقدم الأصوليون المعنى على اللفظ. فهذا الأخير في رأي الشاطبي مثلًا:"هو الوسيلة إلى تحصيل المعنى المراد، والمعنى هو المقصود". (4)
(1) هذا اصطلاح جرى عليه علماء المنطق، فسموا"علم التوحيد"، بعلم الكلام،وقد ذمه السلف لاشتماله على حق وباطل، والأولى تسميته"علم التوحيد" (اللجنة العلمية) .
(2) الإحكام في أصول الأحكام: مطبعة محمد علي صبيح، القاهرة، 1387هـ / 1968م: 1/6.
(3) الدلالة اللغوية عند العرب: ص 21-22.
(4) الموافقات في أصول الأحكام: تعليق محمد الخضر حسين، تصحيح محمد منير، المطبعة السلفية- القاهرة،
1341هـ، ج2، ص 57 .