قضية اللفظ والمعنى من القضايا التي حظيت باهتمام كبير في التراث الفكري العربي، وكانت محورًا لدراسات مختلفة شملت مجالات التفسير والفقه والفلسفة والأدب والنقد وغيرها. وقد اتخذت هذه الدراسات، بصفة عامة، مسارين مترابطين، مسارًا نظريًا وآخر تطبيقيًا. (1) فأما المسار النظري فقد اهتم بقضايا العلاقات الدلالية بين المفردات، وتمخض عن بحوث في الترادف والتضاد والاشتراك، وأقسام الدلالة، وتخصيص الألفاظ وتعميمها، واستخدامها حقيقة أو مجازًا، وغيرها، كما يظهر ذلك -على سبيل المثال- عند ابن جني (ت 392هـ) في"الخصائص"، وابن فارس (ت 395هـ) في"الصاحبي في فقه اللغة"، والثعالبي (ت 429هـ) في"فقه اللغة وسر العربية"، والسيوطي (ت 911هـ) في"المزهر في علوم اللغة".
ويتجلى المنهج النظري في دراسة اللفظ والمعنى أيضا لدى البلاغيين. فعلم البلاغة يعد"جهازًا نظريًا"لدراسة المعنى في الكلام، وربما يتميز عن بقية العلوم"بالنظر الأشمل والأكمل في المعنى وأساليب أدائه وما قد يحف به من سياقات ومقتضيات أحوال" (2) . ويضع الزمخشري (ت 538هـ) ، على سبيل المثال، هذا العلم في قمة الإحاطة اللغوية، حيث يرى فيه الأصل القويم في معرفة تفسير كتاب الله. فلا يصل في رأيه إلى حقائق التفسير:"إلا رجل برع في علمين مختصين بالقرآن وهما علم المعاني وعلم البيان، وتمهل في ارتيادهما آونة ونصب في التنقير عنهما أزمنة" (3) . وهذا المنهج ذو أهمية كبيرة بالنسبة لموضوع الدراسة الحالية.
(1) عبد الكريم مجاهد: الدلالة عند العرب. عمان،الأردن، 1985م 10-11.
(2) خالد ميلاد:"المعنى عند البلاغيين: السكاكي نموذجا"، ص 156. في صناعة المعنى وتأويل النص. منشورات كلية الآداب بمنوبة- تونس، ص 155-170.
(3) أبو القاسم الزمخشري: الكشاف، مطبعة مصطفى البابي، القاهرة، 1948م، 1/ 16.