وقد عمّر عُمر (رضي الله عنه) المسجد الأقصى بعد أن نظف مكانة. وقد استثنى عمر المدنية من التبعية لبلاد الشام فلم يدخلها ضمن صلاحيات معاوية الإدارية كما تمتعت القدس في عهده بالاستقلال القضائي.
وقد ظلت حال القدس كما هي زمن سيدنا عثمان وسيدنا علي (رضي الله عنهما) وفى عهد معاوية بن أبى سفيان عمّر المسجد وبايع الناس معاوية على الصخرة لما لهذا المكان من حرمة وقداسة وقد سار على نهجه من جاء من بعده من الخلفاء مثل عبد الملك بن مروان والوليد وسليمان ابنا عبد الملك وعمر بن عبد العزيز.
وكان اهتمام الأمويين بالمسجد الأقصى أكثر من اهتمامهم بالمسجد الأموي في دمشق إذ عمّره عبد الملك وبنى الوليد قبة الصخرة وأوقف لبنائها خراج مصر لسبع سنوات.
واحتفظت القدس بمكانتها زمن العباسيين ووجدت من العناية ما وجدته في سابق عهدها من الناحية السياسية والإدارية والعمرانية فكان خلفاؤها يزورونها ويقضون فيها أياما وعمّروا مساجدها وأبنيتها وكان اهتمامهم بالأقصى أكثر من اهتمامهم بمساجد بغداد وكان الحجاج يزورون بيت المقدس بعد أداء فريضة الحج فيما يسمى (تقديس الحجة) ولم تنقطع هذه النافلة إلا زمن الاحتلال الإسرائيلي [1] ويذكر الشيخ السائح [2] أن بعض الحجاج الأفارقة قد طلبوا منه زيارة المسجد الأقصى ولكنه رفض وقال أن زيارة المسجد الأقصى بإذن من المحتل هو اعتراف بوجوده فانصرفوا على أمل العودة للزيارة بعد تحريره إن شاء الله.
واستمر الاهتمام بالمسجد والمدينة زمن الفاطميين والأيوبيين والمماليك وكانت سيرتهم امتدادًا لمسيرة من سبقهم من خلفاء المسلمين فعمرت القدس بالمساجد والمدارس والأسبلة والتكايا والخانقاوات والآبار والأسوار كما لقي المسجد الشريف كل العناية والاهتمام من قبل جميع ولاة الأمر.
كما اهتم سلاطين بنى عثمان بالمدينة المقدسة وعمّروها وبنوا سورا يحيط بها من جميع الجهات حفاظًا على تلك المدينة المقدسة وعُمِرت الصخرة والمسجد وكان سنجق القدس يتبع من
(1) - عبد الرحمن عباد: القدس في الإسلام ص 67
(2) - عبد الحميد السائح: فلسطين: لا صلاة تحت الحراب مذكرات الشيخ عبد الحميد السائح