إنَّ المجتهدين من البشر ، والبشر غير معصومين عن الأخطاء إلاَّ فيما عُصم عنه الأنبياء عليهم السلام ، فكانت احتمالات الخطأ واردةٌ جدًا ، وكانت القدسيَّة لأقوالهم هي خلاف المعقول .. بل والمنقول .. { إذا حكم الحاكم فأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجرٌ } ، بل إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إذا اجتهد فقد يُصحح له الوحيُّ بعض ذلك ، وما قضيَّة أُسارى [ بدر ] .. وتحريم ما أحلَّ الله - عز وجل - له .. والأمر بتعليق الوعود بالمشيئة دون الجزم بها .. وعزوفه عن الأعمى .. وغيره كثير. أقول: ما ذلك إلاَّ دليلٌ على أنَّ البشر بشرٌ مهما علت درجاتهم ، وسمت مراتبهم ، وأنَّ عدم إصابة حكم الله - عز وجل - منهم غبر مستبعدٍ فيما إذا أُوكل الأمر إلى اجتهاداتهم ، بل جازت على الأنبياء [ الزلة ] .. وهي: إرادة الفعل دون إرادة النتيجة ، كفعل سيِّدنا موسى - عليه السلام - ، حين وكز المصريِّ فصرعه ، وهو لم يُرد موته حتمًا !.
لأجل هذا وذاك أصبح التعدد في الرأي نتيجةً حتميَّةً .. فهل يرضى المنكرون أن يستسلم أحدهم لرأي غريمه ، وأن تكون في مباحثهم ضرورة الرأي الواحد ، دون السماح بالتعدد ؟؟ ! .
ومن جهةٍ أخرى .. فإنَّ التعدُّد سوف يُعطي المشرِّع بالمفهوم الوضعي - وهو الذي يقوم بسنِّ القوانين بما يُسمَّى بالسلطة التشريعيَّة عندهم - تعدَّدًا في الخيارات ، بحيث يستطيع أن يختار من الآراء الاجتهادية المتعدِّدة ما يراه: أصلح للجماعة ، وأنسب للزمان ، وأكثر تحقيقًا لمصالح العباد . حتى إذا تبدلَّت الأحوال .. كتبدل مصلحة الجماعة ، أو تغيِّر العادات ، التي يسميِّها الناس بتبدل الزمان ! ، فإنَّ ولي الأمر يعدل عن اختياره إلى غيره مما يراه من الآراء الأخرى ، ومن غير نكير .