من أجل هذا وذاك ، ولأن الدوام المطلوب لسريانها ، فإنَّ الشارع الحكيم - وهو الله - عز وجل - - قد شرَّع لنا سبيلًا يحقق المقصود ، ويُناسب قدرة عبيده ، وقدرة خلقه من المكلَّفين ، مع عدم إهمال ذلك السبيل لتحقيق مقاصدهم ومصالحهم ، مع مراعاة تغيُّر أحوالهم وأزمانهم ، وتجدُّد احتياجاتهم .. فجاءت الشريعة الغرَّاء بتفصيلاتٍ يسيرةٍ .. مع: أُسسٍ ، وأمارات ، وعلاماتٍ ، وأدلَّةٍ ، وقواعدَ .. لكي تُبنى عليها الجزئيَّات المتكررة بصورتها والمختلفة بظروفها وأشخاصها ، وكذلك الجديد منها ، ولكي يستنير المجتهدون بكلِّ ما وضعه الباري - عز وجل - لهم من سبل للوصول إلى الحكم المجرَّد ، مع عدم إهمال الخصوصيَّات بكلِّ أنواعها وأبعادها .
لكلِّ ما تقدم فقد ساغ الإجتهاد في شريعتنا الغرَّاء ، وهو أحد الطرق المأمونة والمضمونة لمعالجة حاجات الناس المتجدِّدة والمتعدِّدة . وغير خافٍ عنَّا أنَّ المعالجات الملبيَّة لحاجات الناس تعدَّدت صورها، ولا نريد استقصائها، كتعدِّد الخيارات في الحكم الواحد .. كما في كفارة اليمين حين خيِّر المكلف بين: الإطعام لعشرة مساكين ، أو كسوتهم ، أو تحرير رقبة . وكما في حكم معاملة الأسرى حين خيِّر إمام المسلمين بين: المنِّ ، أو المفاداة ، أو الاسترقاق ، أو القتل .. بشرط تحقُّق المصلحة ومراعاة المعاملة بالمثل .
إنَّ من لوازم الإجتهاد تعدُّد الآراء ، نظرًا لتعدد القابليَّات والقدرات الفرديَّة ، والقدرة على المتابعة المستوفيَّة لكلِّ تفصيلات الأدلَّة ، ولطروء العوارض على بني البشر من: نومٍ ، وغفلةٍ ، وخوفٍ شديد ، وفرحٍ شديد ، وحزنٍ شديد ، وسهوٍ ، ومرضٍ ، ونسيانٍ ، وإكراهٍ ، وحبٍ ، وكرهٍ ، وتخديرٍ ، وغيابٍ عن الوعي .. الخ .
إنَّ هذه الطريقة في تشريع الأحكام هي أمرٌ مقصودٌ للشارع الحكيم - جل جلاله - ، وذلك لحكمة .. بل قل لحِكمٍ لا تُعدُّ ولا تُحصى ، نورد منها: