وألا ترى معي .. أنَّ هذا سيجعل الأمر في منتهى المشقة على بني البشر ، وسيتعذر معرفةٍ حكم أيَّةِ جزئيَّةٍ ، أو معرفةِ حكم فعلٍ واحدٍ لمكلفٍ واحدٍ ، وقد ينقضي العمر دون الوصول إلى المأمول ، إذ لا ريب أنَّ هذه الأحكام الكثيرة جدًا جدًا ، لأنَّها تخص عددًا من مليارات البشر لا يعلمه إلاَّ الله - عز وجل - ، ومن بدء الخليقة وإلى قيام الساعة ، إذ سيحتاج كلُّ ذلك إلى فهارس .. وتبويباتٍ .. وفهارس الفهارس .. وهكذا ، وهذه ستفوق جميع ما أنزل الله - عز وجل - على جميع أنبيائه ورسله بأضعاف الأضعاف بالعدد ، وبعدد الصفحات .. بل بكلِّ شئ !.
فلو احتاج إنسانٌ لحكم مسألة عرضت له ... فذلك يلزمنا: الرجوع إلى فهارس الفهارس للوصول إلى فهارس عصره ومصره ! ، ثم الرجوع إلى فهارس الأفراد فردًا فردًا في ذلك المصر .. لذلك العصر !! .
ثم - إن وصلنا - فعلينا البحث عن حكم مسألةٍ واحدةٍ عرضت لشخصٍ واحدٍ !! ، فما بالك بهذه المليارات في كلِّ جيلٍ من أجيال البشريَّة ؟ ! .
نعم .. جعل الأمر على هذا الغِرار ليس بمُعجزٍ لله - جل جلاله - ، لكنَّه لبني البشر يدخل في عداد الأمور شديدة الإرهاق ، بل قل تدخل في عداد المستحيلات ، ولو جاءت هذه الشريعة بمعالجاتٍ وبتفصيلاتٍ تصلح لفترةٍ زمنيَّةٍ معيَّنةٍ بذاتها ثم تُهمل ، لكان من غير السهل أيضًا على بني البشر أن يُورد لهم ربُّهم تلك التفصيلات بالشكل الذي بسطناه ، ولا يكون من السهل على أهل تلك الحقبة الزمنيَّة الوصول إلى الأحكام لكلِّ فردٍ منهم ، دون أن يشقَّ ذلك على أهل تلك الفترة ذاتها ! ، اللهم إلاَّ أن تكون الأحكام لمجموعةٍ بشريَّةٍ محدودةٍ ضمن فترةٍ بعينها!، وربَّما حصل هذا في أدوار الرسالات السماويَّة المتتاليَة , أمَّا أن يكون الأمر بخلاف ذلك ، والأحكام تعمُّ بني البشر كافَّة .. فذلك يرد عليه ما أوردناه .. فليُتنبه لهذا جيِّدًا ! .