تصدَّتْ بعد شَيبكَ أمُّ بدرٍ ... لتطردَ عنكَ حِلمَكَ حين ثابا [1]
ومرة أخرى أم بهدل:
فهل أنتَ بعدَ الصَرِم من أمِ بَهْدَلٍ ... من الموئسِ النائي المودَّةِ آيسُ [2]
وهي عند يزيد بن الطثرية أم شنبل:
ألا حبذا عيناك يا أمَّ شنبل ... إذا الكحلُ في جفنيهما جالَ جائِلُه [3]
وأكثر الشعراء كذلك من تشبيه المرأة بالظبية الأم لأنها تبدو أكثر حنانًا وجمالًا ورقة:
وكأنما نظرتْ بِعَيْنَيْ ظبيةٍ ... تحنو على خِشفِ لها وتَعطَّفُ [4]
وتبدو صفحة الأمهات في ديوان المداحين نقية بيضاء، ولا سيما أمهات الخلفاء والحكام ورجال السياسة، فقد اتخذ هؤلاء الشعراء من صفاتهن الأخلاقية كالتدين والشرف والحصانة، ومن أحسابهن وأنسابهن مادة شعرية خصبة. ففي مدائح جرير لعمر بن عبد العزيز بن مروان يكرر ذكر والدته مرارًا:
إليكَ رحلتُ يا عمرُ بنُ ليلى ... على ثقةٍ أزورُكَ واعتمادا [5]
ويقول فيها:
عليكم ذا الندى عمرُ بن ليلى ... جوادًا سابقًا ورثَ الجيادا
إلى الفاروقِ ينتسب ابنُ ليلى ... ومروانَ الذي رَفَعَ العمادا
وتبني المجدَ يا عمرُ بن ليلى ... وتكفي الممحِلَ السّنَة الجمادا
وحسبنا أن نعرف أن من أبرز وظائف التكرار اللغوي -ولا سيما تكرار اسم العلم -بيان الأهمية وتوكيد المعنى وتقوية الإحساس به.
وفي مدح جرير لعبد العزيز بن مروان يذكر أمه وكرم محتدها ومكانتها حتى يوشك الحديث عنها أن يكون قسيمًا للحديث عن ابنها، يقول:
سَمَتْ بكَ خيرُ الوالدتِ فقابلَتْ ... لليلةِ بَدْرِ كان ميقاتُها قَدْرا
فجاءَتْ بنورٍ يُستضاءُ بوجهِهِ ... لهُ حَسبٌ عالٍ وَمَنْ ينكرُ الفجرا
(1) شعر عمرو بن لجأ التميمي: 47 في: 49 و61 وأم غزال في: 7.
(2) المصدر السابق 111
(3) شعر يزيد بن الطثرية:94.
(4) الأغاني: 5/47 أعشى همدان 5/146.
(5) ديوان جرير 1/117 وليلى جدته أم أبيه عبد العزيز بن الأصبغ بن زبان الكلبي وأم عمر أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب.