فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 373

وكثيرًا ما انعكست صورة المرأة -الأم- في الشعر العربي، ففي لوحة مالك بن الريب النفسية الرائعة، تجسيد لوضع الإناث في الأسرة: الأم والزوج والبنت، وبيان للارتباط العاطفي الكبير الذي يشعر به المرء تجاه هذه الأقطاب في الأسرة، ربما لأن الأم أو المرأة عامة، حاضنة العاطفة والحياة، ومخزن الحب والحنان، فكان تذكره لهن وهو في موضعه ذاك يرثي نفسه يعد مشهدًا للعواطف الإنسانية الكبرى وبيانًا لحب الأم خاصة لأبنائها وحرصها على توفير الرعاية والحنان لهم، إنه يحدد هؤلاء النسوة اللواتي يعز عليهن ما يشعر به من الألم والوحدة والأسى وذلك عندما قال:

ولكنْ بأكنافِ السّمينةِ نسوةٌ ... عزيزٌ عليهنَّ العَشيّةَ مابيا

فيا ليت شعري هل بكتْ أمُّ مالكٍ ... كما كنتُ لو عالَوا نَعيَّكِ باكيا

إذا متُّ فاعتادي القبورَ وسلِّمي ... على الرمسِ أُسْقيتِ السّحابَ الغواديا [1]

هل يمكن القول: إن مالك بن الريب لخص في هذه الأبيات وظيفة الأم في الحياة والأسرة التي تتمثل في تناول الحب والحزن، مع ملاحظة أن هذا الحزن مستمر إذ هي ستعتاد القبور وتصبح زيارتها واجبًا كما لو أنها تزور فراش وليدها وتطمئن عليه.

ويلتقط إحساس ابن قيس الرقيات هذه الصورة لأم تحنو على ولدها وتلاعبه وتحاول أن تسكته بحركاتها اللطيفة، فتعلق عليه الخرز والودع وبعض التمائم لتقيه شر الحسد والعيون حرصًا على سلامة وليدها من بعض العادات والأفكار السائدة:

حُيِّيتِ عنا أمَّ ذي الوَدْعِ ... والطّوقِ والخرزاتِ والجَزْعِ

تحنو على طفلٍ تُلاعِبُهُ ... صَلتِ الجبينِ لسادةٍ صُلْعِ

يبكي فَتُسِكتُه ببردَتِها ... وعليهِ منها مائلُ الفَرْعِ [2]

(1) شعراء أمويون: 44-47.

(2) ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات: 265

ذو الودع: الطفل يعلق عليه الودع ليقيه شر الحسد، الطوق: العقد، الجزع: خرز أبيض وأسود، الجبين الصلت: المستوى البارز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت