وكان الخارجي (محمد بن بشير) معجبًا بزوجه سعدى، وكانت من أسوأ الناس خلقًا وأشده على عشير، وكان يلقى منها عنتًا، فغاضبها يومًا لقولٍ آذته به واعتزلها، وانتقل إلى زوجته الأخرى، ثم اشتاق إلى سعدى وتذكرها وبدا له الرجوع إليها وقال:
أراني إذا غالبتُ بالصبرِ حبَّها ... أبى الصبرُ ما ألقى بسعدى فأُغْلَبُ
وقد علمتْ عند التعاتبِ أننا ... إذا ظَلَمَتنْا أو ظلَمْنا سُنْعتِبُ
وأني وإنْ لم أَجنِ ذنبًا سأبتغي ... رضاها وأعفو ذنَبها حين تْذنبُ
وإني إذا أذنبتُ فيها يزيدُني ... بها عجبًا مَنْ كانَ فيها يؤنِّب [1]
ولعل قارئ هذا الشعر وأشباهه يجد له مذاقًا خاصًا، وحقًا قد يكون هذا المذاق لاذعًا غير مستساغ، ولكنه يبعث فينا الإحساس بصدقه، فنوشك أن نشرك هذين الزوجين في حياتهما اليومية بصفائها وكدرها وجفائها الذي تغالبه المودة والتراحم.
وقد تذكر الشعراء زوجاتهم في حالات البعد والسفر، ويقترن هذا التذكر غالبًا بطيف الزوجة الذي يزور الشاعر على بعد المزار، فيثير أشواقه، ويكون محرضًا له للحديث عن الحب. ولعل حديث الفرزدق عن طيف زوجه"النوار"من أطيب الحديث وأجمل الغناء. إنه ينثر الحزن والشوق والحنين الذي في نفسه، فتسيل عواطفه في كلمات رقيقة تبين حالته، ويضاعف إحساسنا بجمال هذا الشاعر تلك العناصر البدوية التي ينثرها في أرجائه، يقول:
طرقتْ نوارُ ودونَ مطرقها ... جذبُ البُرى لنواحلٍ صُعْرِ
أدنى محلّتِها لطالبها ... خِمسُ المؤوِّبِ للقطا الكُدْرِ
وإذا أَنامُ أَلمَّ طائفُها ... حتى يُنَبِّهَ أعينَ السّفْر [2]
وفي قصيدة أخرى يكرر الصورة وينثر في أرجائها عناصر بدوية أخرى، ويضيف إلى طيف"نوار"طيب النشر، فإذا هو طيف معطر يضوع شذى:
طرقَتْ نوارُ معرّسي دويّةٍ ... نزلًا بحيثُ تَقيلُ عُفْرُ الأبَّدِ
(1) شعر محمد بن بشير الخارجي: ق6
(2) ديوان الفرزدق: 220 الصعر: ميل في الخد من جذب الزمام.