ولم يكن التذمر والشكوى من المهور المرتفعة مقصورين على الأسر الرقيقة الحال، بل ظهر بين أبناء الطبقة الوسطى، وكانت هذه المهور المرتفعة التي تمهرها الأسر المتنفذة ورجال السياسة مَدْعاةً لاستنكار الرعيّة، ومعاتبة السلطة عتابًا يكاد يبلغ حدّ السخط فقط روى صاحب الأغاني أن عبد الله بن الزبير عاتب أخاه وقائده الحربي اللامع مصعب بن الزبير في مهر سكينة بنت الحسين.
ولم يكن عتابه له بسبب ما نسب إليه من البخل بل كان بسبب أبيات بعثها له أحد قواد جنده وهو أنس بن زنيم في أماكن الفتوح يعترض فيها على بذخ المال وهدره من أجل المتعة الشخصية، على حين كان قادات الجيوش وجنودهم في حالة جوع وقلق، قال:
أَبلْغ أَميرَ المؤمنينَ رسالةً ... من ناصحِ لكَ لا يُريكَ خِداعا
بضعُ الفتاةِ بألفِ ألفٍ كاملٍ ... وَتَبيتُ قاداتُ الجيوش جِياعا [1]
ويعلن كثير عزة شاكيًا حزينًا أنه لا قبل له بهذا الذي يطلبه أهل محبوبته، فهم يغالون في مهرها، وهو لا يستطيع أن يلبي طلبهم لارتفاع المهر وسوء حاله، وهكذا يحول هذا الطلب بين العاشقين، وتتحول حكاية الغرام إلى قصيدة يائسة يندب الشاعر فيها حظه ويأسف على نفسه، ويبيّن أن أهل من يحب يطلبون في مهرها من المال مالا يمكن تحقيقه يقول في ذلك:
ولمّا رأَتْ وجدي بها وتبينتْ ... صبابةَ حرّانِ الصبابةِ صادِ
أَدَلَّتْ بصبرٍ عندها وجلادةٍ ... وتحسبُ أنَّ الناسَ غيرُ جلادِ
فيا عزُّ صادي القلبَ حتى يودّني ... فؤادُكِ أو رُدّي عليَّ فؤادي
وإنَّ الذي ينوي من المالِ أهلُها ... أواركُ لمّا تأتلفْ وعوادي [2]
(1) الأغاني 3/122
(2) ديوان كثير 443
المصاداة كالمداراة أي المصانعة والمداجاة
أركت الناقة: فهي أركة أي أكلت الأراك. والعدوة: الخلفة من النبات، إبل عدوية وإبل عواد أي ليست ترعى الحمض فلا يمكن أن تجتمع هذه وتلك.