عاشَتْ سُميّةُ ما عاشتْ وما عَلِمَتْ ... أنَّ ابنَها من قريشِ في الجماهيرِ [1]
وكانت الأم، إضافة إلى ما سبق، تعبر عما يضطرب في المجتمع من سياسة وأحداث ومواقف، فهي تعبر عن أمومتها وخوفها على أبنائها الصغار، وهي ويا لحرقتها تراهم وهم يقتلون صغارًا فيجن جنونها، وتلتاع روحها فتهتف ممزقة القلب والعقل ببعض الشعر، إنها جويرية أم ابني عبيد الله بن العباس، اللذين قتلهما بسر بن أرطأة، فراحت تدور حول البيوت ناشرة شعرها وهي تقول:
ها منْ أَحسّ من ابنيَّ اللذين هما ... كالدرّتينِ تَشَظَّى عنهما الصَدَفُ
ها من أحسّ من ابنيَ اللذين هما ... سمعي وقلبي فعقلي اليومَ مُخْتَطَفُ
ها من أحسَ من ابنيّ اللذين هما ... مخُّ العظامِ فمخي اليومَ مزدهفُ
نُبَّئْتُ بسرًا وما صَدقْتُ ما زعموا ... مِنْ قولِهم وَمِنَ الإفكِ الذي وصفوا
أَنحى على وَدَجي ابنيَّ مُرْهَفَةً ... مشحوذةً وكذاكَ الإثمُ يُقْتَرَفُ [2]
إنه البكاء الذي ابتدأنا به مع مالك بن الريب، إنه البكاء الذي قدر على المرأة الأم وحدها أن تعيشه، وأن تنميه في قلبها منذ أن تلد صغارها إلى أن يهرموا وهي تترقب لحظة الخطر التي يمكن أن تحدق بمملكتها الروحية.
ولست أريد أن أبسط القول هنا في كل ما يتصل بالأم، ولكنني سأرجئ القول في ذلك إلى فصل قادم كيلا أخرج من دائرة الأسرة التي عقدت هذا الفصل لها.
ب-المرأة الزوج:
تعد صورة الحبيبة أو الزوجة الصورة الغالبة على صفة المرأة في هذا الشعر، فقد كانت مفتاحًا للحوار الشعري والمباهاة الشخصية، وملهمة الإبداع الشعري، مما يدل على المكانة الرفيعة التي وصلت إليها المرأة في هذا العصر، بعد أن تبوأت مكانة عالية في عصر صدر الإسلام، الذي يعد بحق منصف المرأة العربية.
(1) المصدر السابق: 29.
(2) مروج الذهب 3/22