فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 373

وعلى نحو ما كانت الأمهات مادة شعرية بأيدي المداحين من الشعراء كن مادة شعرية بأيدي غيرهم من الغزلين. ولم تحل هيبة الحكام والأمراء دون ذلك، فقد مضى هؤلاء الشعراء يتعرضون لأمهاتهم ويتغزلون بهن فيما عرف في تاريخ الأدب العربي باسم"الغزل الكيدي"أو الغزل السياسي"، على نحو ما صنع عبد الرحمن بن حسان حين شبب برملة بنت معاوية، أو ما صنع العرجي عندما تغزل بأم الأمير محمد بن هشام المخزومي وقال:"

عُوجي علينا ربَّةَ الهودجِ ... إنَّكِ إنْ لم تَفْعلي تَحْرَجي

أَيْسرُ ما نالَ مُحِبٌ لدى ... بَيْنِ حبيبٍ قولُهُ عَرِّجِ

تُفْضَ إليه حاجةٌ أو يقُلْ ... هَلْ ليَ ممّا بيَ مِنْ مخرجِ

من حُبِّكم بِنتُمْ ولم يَنْصَرمْ ... وَجْدُ فؤادِ الهائمِ المُنضَجِ

فعاجتِ الدّهماءُ بي خيفةً ... أنْ تَسْمَعَ القوَل ولم تُعْنج

فما استطاعَتْ غيرَ أن أومأتْ ... نحوي بِعَيْنَيْ شادنٍ أدْعَجِ

يأَوي إلى أَدماءَ من حُبِّهِ ... تحنو عليهِ رائمٌ عَوْهِج [1]

أما في الهجاء فكانت الأم وما ترمز إليه من معاني الشرف والكرامة والحصانة والرفعة مجالًا خصبًا أمام الشعراء لتحويل كل المعاني السابقة إلى أفكار الرذيلة والشر والقبح وكل ما يسيء،ولا سيما في شعر النقائض وكثر الهجاء بعبوديتها وخدمتها بين الشعراء، وكان عمل الأم دليل فقرها وامتهانها، فنجد الفرزدق يعيّر بالأم التي تعمل حلابة، لأن الحلب من عمل الرجل.

ويعد عمل المرأة ولا سيما حلبها الماشية عارًا ومنقصة حتى في أصغر القبائل وأفقرها وأشدّها تبدّيًا يقول:

ولكنَّهُ من نَسْلِ سوداءَ جَعْدةٍ ... نُميريَّةٍ حَلاّبةٍ في المعالقِ [2]

(1) ديوان العرجي 19 الحرج: الاثم. تفض: مجزوم بالطلب مبني للمجهول. المنضج: المحكم الوجد

الدهماء: الفرس السوداء. تعنج: تجذب زمامها لئلا تحيد. الشادن: ولذ الظبية إذا قوي واستغنى عن أمه العوهج: الطويلة العنق. الرائم: التي تحنو على ولدها.

(2) ديوان الفرزدق 406 المعالق: العلب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت