وأيّده الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (1) فقال: (( ومن أحاط خبرًا بأدلة الجمهور من الكتاب والسنة وأقوال السلف وبأحوال الصحابة - رضي الله عنهم -، يدرك مبلغ قوة كلام ابن الهمام في عدّة المجتهدين من الصحابة، وإن سعى ابن حزم في تكثير عددهم جدًا في (( أحكامه ) )بأن حشر في عدادهم كلّ مَن روي عنه مسألة أو مسألتين في الفقه لا إجلالًا لمنْزلة الصحابة في العلم، بل ليتمكَّن من معاكسة الجمهور في مسائل الإجماع باشتراط النقل عن كلٍّ منهم، وأنى لمن لم يرو عنه إلا مسألة أو مسألتان في الفقه، أو حديث أو حديثان في السنة أن يعدّ في المجتهدين كائنًا من كان، وإن كانت مَنْزلة الصحابة - رضي الله عنهم - في الصحبة عظيمة القدر جدًا )) .
هذه المبالغة من ابن جزم - رضي الله عنه - في تضخيم عدد المجتهدين من الصحابة كان محلّ انتقاد من العلماء، قال العلامة ابن القيم - رضي الله عنه: (( وما أدري بأي طريق عدّ ابن حزم معهم الغامدية وماعزًا ) )أي من المجتهدين، قال العلامة الحجوي - رضي الله عنه - (2) : (( وفي ذكر مَن تروى عنهم إلا المسألة والمسألتان نظر ) ).
وهذا موافق لما نقل عن مسروق - رضي الله عنه - قال: شافهت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجدت علمهم انتهى إلى هؤلاء الستة: عمر وعلي وعبد الله وأبيّ وأبي الدرداء وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - (3) .
المطلب الثالث: مميزات هذا العصر:
الأول: أن الاجتهاد فيه كان معتمدًا على نصوص من الكتاب والسنة، بخلاف ما سيأتي في بعض الأدوار القادمة من اعتماد الاجتهاد على نصوص إمام المذهب كما سيأتي تفصيله.
(1) في الإشفاق ص33.
(2) في الفكر السامي 1: 341-342.
(3) ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص26، وغيرها.