الفصل الثاني
في أن لذة العلم لا تضاهيها لذة أخرى
قال ابن الجوزي: اللذات كلها بين حسي وعقلي، فنهاية اللذات الحسية وأعلاها النكاح, وغاية اللذات العقلية العلم، فمن حصلت له الغايتان في الدنيا فقد نال النهاية [1] .
وقال الشيخ جمال الدين القاسمي: لا لذة تُضاهي لذة العلم والحكمة واستنارة القلب [2] .
ونقل ابن تيمية في «الرد على المنطقيين» عن ابن سينا أنه قال في «نمط البهجة والسعادة» [3] : إنه قد يسبق إلى الأوهام العامية أن اللذاتِ القويةَ المستعلية هي الحسيةُ, وأن ما عداها لذات ضعيفة وكلها خيالات غير حقيقة, وقد يمكن أن يُنبَّه مِن جملتهم من له تمييزٌ ما فيقال له: أليس ألذَّ ما يصفونه من هذا القبيل هو المنكوحات والمطعومات وأمورٌ تجري مَجراها, وأنتم تعلمون أن المتمكن من غلبةٍ ما ولو في أمر خسيس كالشطرنج والنرد قد يعرض له منكوح ومطعوم فيرفضه لِمَا يعتاضه من لذة الغلبة الوهمية, وقد يعرض منكوح ومطعوم لطالب العفة والرياسة مع صحة جسمه في صحبة حَشَمه فينفض اليد منهما مراعاة للحِشْمة, فيكون مراعاة الحشمة آثرَ وألذَّ لا محالة هناك من المنكوح والمطعوم, وإذا عرض للكرام من الناس الالتذاذ بإنعام يصيبون موضعه آثروه على الالتذاذ بمشتهًى
(1) صيد الخاطر (ص 190)
(2) تاريخ الجهمية والمعتزلة (ص 8)
(3) وهو النمط الثامن من قسم الإلهيات من كتاب «الإشارات» لابن سينا.