فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 157

حيوانيٍّ مُتنافَسٍ فيه, وآثروا فيه غيرهم على أنفسهم مسرعين إلى الإنعام به, وكذلك فإنَّ كبير النفس يستصغر الجوع والعطش عند المحافظة على ماء الوجه, ويستحقر هول الموت ومفاجأة العَطَب عند مناجزة المبارزين, وربما اقتحم الواحد على عدد دهم ممتطيا ظهر الخطر لما يتوقعه من لذة الحمد ولو بعد الموت كأن تلك تصل إليه وهو ميت, فقد بان أن اللذات الباطنة مستعلية على اللذات الحسية, وليس ذلك في العاقل فقط بل وفي العجم من الحيوانات, فإن من كلاب الصيد ما يقنص الصيد على الجوع ثم يمسكه على صاحبه وربما حمله إليه, والراضعة من الحيوانات تؤثر ما ولدته على نفسها وربما خاطرت محامية عليه أعظم من مخاطرتها في ذات حمايتها نفسها [1] .

وقال ابن تيمية: والإنسان كلما كمل عقله كانت هذه اللذة - يعني الباطنة الروحية - أحب إليه من تلك اللذة - يعني الظاهرة الحسية -.

ثم ذكر الفلاسفة وقال: يقولون ما يقوله غيرهم من أن اللذات الباطنة أقوى وأشرف من اللذات الظاهرة, ويدعون الضرورة في إثبات لذة وراء اللذات الحسية الظاهرة [2] .

وقد كان الفيلسوف «ديمقريط» يرى أنه أحبُّ إليه أن يجد تفسيرا عِلِّيا واحدا لأي شيء من أن يحوز على عرش الإمبراطورية الفارسية, وقد أعطت له حياته الروحية التي وهبها كلها للبحث الاستقرارَ النفسي وهدوء البال, وعاش ساخرا من الناس وتعلقهم بشهوات الدنيا, ومن أجل ذلك سمي بالفيلسوف الضاحك [3] .

(1) الرد على المنطقيين (ص 475 - 476)

(2) الرد على المنطقيين (ص 467)

(3) تمهيد للفلسفة (ص 175)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت