فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 86

مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [1] فدل ذلك على

أن ذكره هو آياته التي أنزلها؛ ولهذا لو ذكر العبد الله تعالى دائمًا ليلًا ونهارًا مع غاية الزهد وعبده مجتهدًا في عبادته، ولم يكن متبعًا لذكره الذي أنزله وهو القرآن كان من أولياء الشيطان ولو طار في الهواء ومشى على الماء فإن الشيطان يحمله في الهواء. وإذا كان أولياء الله هم المؤمنين المتقين فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله، فمن كان أكثر إيمانًا وتقوى كان أكمل ولاية لله، والناس متفاضلون في ولاية الله عز وجل بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى.

وكذلك يتفاضلون في عداوة الله بحسب تفاضلهم في الكفر والنفاق وأولياء الله على طبقتين: سابقون مقربون، وأصحاب يمين مقتصدون، ذكرهم الله في عدة مواضع من كتابه العزيز في أول الواقعة وآخرها وفي سورة الإنسان والمطففين وفي سورة فاطر.

فالأبرار أصحاب اليمين هم المتقربون إلى الله بالفرائض يفعلون ما أوجب الله عليهم، ويتركون ما حرم الله عليهم، ولا يكلفون أنفسهم بالمندوبات، ولا الكف عن فضول المباحات، وأما السابقون المقربون فتقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض ففعلوا الواجبات والمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات، فلما تقربوا إليه بجميع ما يقدرون عليه من محبوباته أحبهم الرب حبًّا تامًّا كما قال تعالى في الحديث القدسي: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» [2] فهؤلاء المقربون صارت المباحات في حقهم طاعات يتقربون بها إلى الله عز وجل، فكانت أعمالهم كلها عبادات لله فشربوا صرفًا كما عملوا له صرفًا، والمقتصدون كان في أعمالهم ما فعلوا لنفوسهم فلا يعاقبون عليه ولا يثابون، فلم يشربوا صرفًا بل مزج لهم من

(1) سورة طه (الآية:124) .

(2) رواه البخاري وتقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت