ويعظم وزر هذه المحرمات وتشتد العقوبة عليها إذا صدرت ممن يقتدى به من عالم أو رئيس أو مدرس أو كبير أسرة. وأعظم من فعل هذه المحرمات استحلالها أي اعتقاد أنها حلال فإن بعض الناس يجمع بين#
جريمتين جريمة فعل المعصية وجريمة استحلالها. ومن استحل محرمًا فقد كفر إذا كان مجمعًا على تحريمه.
وليعلم فاعل المعصية والمجاهر بها أنه يدعو إليها بالفعل أعظم ممن يدعو إليها بالقول وسوف يحمل يوم القيامة وزره ووزر من قلده أو اقتدى به فيه من أولاده أو تلاميذه أو غيرهم، فهل من متذكر؟
قد يقول قائل أن ما ذكرته من المحرمات قد فشا في المجتمع وأصبحت عادات مألوفة والخروج عن حكم العادات عسر جدًا فكيف السبيل إلى الخلاص منها؟
فالجواب: أن ذلك سهل ويسير على من يسره الله عليه فالعاقل ينظر في العواقب ويفكر في المستقبل فإذا كنت مؤمنًا بالله واليوم الآخر، وقد رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا، وأيقنت بالموت والفنا، وصدقت بالبعث والجزاء، لم يبق للتقليد في نفسك مجال طلبًا لراحتك مستقبلًا، والفوز برضا الله والتنعم بدار كرامته والسلامة من سخطه وأليم عقابه، ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، وعلمت أيضًا ما ورد في الحديث من أن المتمسك بدينه في آخر الزمان له أجر خمسين من الصحابة وأجر مئة شهيد وأنه كالقابض على الجمر وذلك لقلة الأعوان وكثرة الأضداد.
وعلمت أيضًا أن هذه الأمة منقسمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي من كان على مثل ما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه من العلم النافع والعمل الصالح والإيمان الصادق فأحرص أن تكون في هذه الفرقة الناجية وفقك الله لذلك بمنه وكرمه وإيانا وجميع المسلمين.
واعلم أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس ويصلحون ما أفسد الناس. فتستدل بعلمك وعقلك على ربك وعلى فعل ما ينفعك وترك ما يضرك.#
وعليك أن تفكر في نعم الله عليك وإحسانه إليك بكل أنواع الإحسان، حيث خلقك فسواك فعدلك وأنعم عليك بالسمع والبصر والعقل، وأطعمك وسقاك وآواك، وجعلك مسلمًا ورزقك من الطيبات وفضلك على كثير ممن خلق، فاحمد الله وأشكره على نعمه بالقيام بطاعته ظاهرًا وباطنًا بقولك واعتقادك وعملك لتستقر نعمه عليك ويزيدك منها وتعرض لأسباب المغفرة وابتعد عن أسباب العذاب.
وأسباب المغفرة كثيرة تجتمع في أربعة أسباب وهي:
التوبة النصوح، والإيمان الصادق، والعمل الصالح، والثبات على ذلك والاستقامة عليه حتى الموت قال تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} سورة طه (الآية: 82) وتنحصر أسباب العذاب في سببين:
أحدهما التكذيب بالقلب بخبر الله ورسوله وأمره ونهيه.
والثاني: الإعراض بالبدن عن طاعته قال تعالى: {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [1] وقال: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى* لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى* الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [2] فاتق الله يا أخي المسلم في نفسك وأهلك وأولادك ومالك ودينك ودنياك، وجاهد نفسك الأمارة بالسوء، وهواك المضل، وشيطانك المغوي، وحقق إسلامك بقيامك بشعائره وأداء فرائضه، قولًا واعتقادًا وعملًا فعلًا وتركًا حبًا وبغضًا، وأوثق عرى الإيمان
(1) سورة طه (الآية: 48) .
(2) سورة الليل (الآية: 14 - 16) .