... ولنلتفت الآن إلى مسألة كون الحكومة الإسلامية دينية أو لا؛ فإن لويس وقع في أخطاء منهجية عديدة، منها أولًا إسقاط النظرة الغربية عند تناول الفكر السياسي الإسلامي، ففكرة الحكومة الدينية فكرة غربية إذ لم يعرف الإسلام صراعًا بين سلطة دينية وأخرى دنيوية، فقد فهم المسلمون أن الإسلام ينظم شؤون حياتهم جميعها من أدق تفاصيلها حتى مسألة الحكم والخلافة: { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين } (1) . ولم يكن هذا الصراع ليقع في النصرانية لولا أن المسيح عليه السلام واجه الدولة الرومانية القوية وطائفة من اليهود الحاقدين وإلاّ فإن المسيح جاء بشريعة تجمع بين الدنيا والدين، فهو لم يلغ الشرائع التي كانت موجودة بل جاء بشريعة ليتمها.ويكملها. وأما العبارة المنسوبة للمسيح عليه السلام (أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله) التي يحلو للويس أن يكررها للاستدلال على الفصل بين السلطتين، فهو خطأ منهجي آخر لأنه يمارس بتر النصوص من سياقها، فإن القصة التي وردت فيها هذه العبارة تؤكد على ضرورة طاعة السلطة مهما كانت ظالمة وقد جاء في رسالة بطرس ( لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة لأنه ليس سلطان إلاّ من الله والسلاطين الكائنين:مرتبة من الله حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله) (2) ، واستمر الصراع بين السلطتين حتى قويت الكنيسة واكتسبت سلطة ضخمة وثراء، ووصل بها الأمر إلى أن أصبحت دولة داخل دولة، وأصبح للبابا رأس الكنيسة اليد الطولى في مواجهة الحكام.
(1) -سورة الأنعام آية 162.
(2) - رسالة بولس الرسول الراهب ووحيه ، الإصحاح الثالث عشر:1.