الصفحة 4 من 26

إنّ هذه العِبَارَة الاعجازيّة في وقفية الغازي خسرو بيك البوسني [1] ، التي تُلزِم طلاب المدرسة بأن يتعلموا"حَسْبَ مَا يَقْتَضِيهِ العُرْفُ وَالمَقَامُ"، تحدد مسار الوجه المنفتح والعصري للإسلام في البوسنة والهرسك. وعلى عكس سلفه نظام الملك البغدادي الذي حدد في وقفيته أن لا يُدَرَّس غير المذهب الشافعي في المدرسة النظامية، فإن الغازي خسرو بيك ترك الباب مفتوحا في المدرسة التي أنشأها لكل مصادر المعرفة التي"حَسْبَ مَا يَقْتَضِيهِ العُرْفُ وَالمَقَامُ".

وتعتبر ملاحظة الكاتب الكرواتي الشهير ميروسلاف كرليجا ( Miroslav Krle?a1893 - 1981) شهادة مثيرة على الأهمية التاريخية للمدارس الدينية في البوسنة:

بدأ تاريخنا الحديث في البوسنة مع الحكم النمساوي، بينما تعرض تاريخنا البوغوميلي القديم للإهمال. كما أحاط التجاهل والإهمال الحقبة العثمانية من تاريخنا، رغم عِظَمِ إنتاجه الثقافي والعمراني والأدبي. لكنني أرجو أن تعتبروا - إن أردتم - بذلك العدد الضخم من المتعلمين، والكمّ الهائل من الكتب والمكتبات والمدارس. إن عددا ملحوظا من أقدم المدارس كان نَشِطًا في البوسنة، وهكذا ونحن نحتفل بِنُشوءِ الجامعات حول المؤسسات التعليمية اليسوعية في زاغرب، ينبغي علينا ألا ننسى المدارس الدينية في البوسنة التي تفوقها كثيرا في القِدَمِ [2] .

عرفت سراييفو منذ دخول الإسلام إلى البوسنة أحدي عشرة مدرسة، كانت أقدمها مدرسة فردوس بيك، وقد أطلق اسم"مدرسة"على أحد شوارع سراييفو تيمنا بهذه المدرسة؛ ثم مدرسة كمال بيك في حي كوشفو، ومدرسة الغازي خسرو بيك، ومدرسة إسماعيل أفندي المصري في ساحة الخيل، والمدرسة الجديدة المعروفة بالمدرسة العنادية في حي بنتباشا، و"درفينيا"أو مدرسة عبد الكريم أفندي سيم زادة، ومدرسة جوميشيتشا بين جسري السلطان وشهر تشيهايا في آخر الزقاق الطويل على ضفة نهر ميلياتسكا، ومدرسة فاضل باشا قرب مسجد السلطان وقد سميت ايضا بالمدرسة السلطانية بسبب قربها من ذلك المسجد، ومدرسة مرحميتش التي بناها عثمان مونغولا مرحميتش وشقيقه ميهاغا. هذه ثمان مدارس، فإذا أضفنا إليها مدرسة خانقاه بيستيرغي، ودار المعلمين وهي أيضا نوع من المدارس، والمدرسة الإقليمية التي لم تدم طويلا، فسيصبح عدد المدارس في سراييفو أحدي عشرة مدرسة، ولم يبق منها سوى مدرسة واحدة هي مدرسة الغازي خسرو بيك، إلى جانب مدرستي مرحميتش والمصري اللتين تسيران نحو الزوال. ولم يذكر الرحالة أوليا جلبي سوى مدرسة الغازي خسروبيك، حيث إن بعض تلك المدارس لم تكن قائمة في ذلك الوقت. ويقول الرحالة أوليا جلبي أنه يوجد في سراييفو ثمانية أماكن لتدريس

(1) ولد الغازي خسرو بيك بن فرهاد بيك في سيريز بروميلية سنة 1480 م وكانت أمه السلجوقية الأصل ابنة للسلطان بيازيد. حكم الغازي خسرو بيك البوسنة ثلاث مرات: 1521 - 1525، 1526 - 1535 1536 - 1541 وانتهى حكمه بوفاته في تلك السنة. ولم يترك وراءه أولادا، ولم يعرف عنه أنه تزوج. يوجد قبره على يسار مسجده في سراييفو. انظر المصدر السابق.

(2) أنس تشينغيتش،"مع كرليجا يوما بيوم، (1975 - 1977) - نافخ في البوق في صحراء الروح"، غلوبوس، زاغرب، 1986، ص: 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت