الطويل، العديد من الملوك العادلين والظالمين، والمتغطرسين والمتواضعين، والعظماء والمغمورين. ولقد شد اثنان منهم انتباهي بسبب تأثيرهما على الإسلام في أوروبا في أوقات مختلفة وبطرق مختلفة، هذان الملكان هما فرديناند ومعه إيزابيلا في أسبانيا وفرانسيس جوزيف الأول في البوسنة. فالسنة التي ميزت الأول منهما كانت سنة 1492، والسنة التي ميزت الثاني كانت سنة 1882. إن الفارق في تعامل هذين الملكين الكاثوليكين مع الإسلام والمسلمين كبير كِبرَ الفترة الزمنية التي تفصل بينهما وقدرها 390 سنة. وكما قلنا، فإن فرديناند وإيزابيلا لم يقبلا الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الأيبيرية، وأجبرا المسلمين على ترك ديارهم بعد ثمانية قرون من الحياة الثقافية المثمرة الفريدة. وعلى الجانب الآخر، لم يكتف الملك الكاثوليكي فرانسيس جوزيف الأول بالتسامح مع الوجود الإسلامي في البوسنة والهرسك، بل سعي لمساعدة مسلمي البوسنة لتحقيق المزيد من التقدم في سعيهم إلى التكيف مع نمط العيش الأوروبي مع المحافظة على هويتهم الإسلامية القوية [1] .
إن الاعتراف بمواقف فرانسيس جوزيف الإيجابية تجاه المسلمين البوسنيين، ينبغي أن لا يُنسينا حقيقة أن حيوية فهم البوسنيين للإسلام في ضوء العقيدة الماتوريدية والفقه الحنفي [2] قد لعبت الدور الرئيسى في عملية الإصلاح الإسلامي في البوسنة [3] . وإضافة إلى ذلك، فإن ما جاء في وقفية مدرسة الغازي خسرو بيك في سراييفو نصا وروحا، مثل ما جاء في وقفية المدرسة النظامية في بغداد، يمثل مَعْلَمَاَ من معالم العمل المؤسساتي في مجال تعليم الإسلام في البوسنة والهرسك.
وَأَنْ يَكُونَ فِي المَدْرَسَةِ الَّتِي يُرِيدُ ابْتِنَائَهَا وَتَشْيِيدَهَا وِإِعْلائَهَا وَوَقْفَهَا لِلَّذِينَ يُحَصِّلُونَ العِلْمَ وَيُكَمِّلُونَ النَّفْسَ مِن الطُّلاَّبِ وَالعِبَادِ وَيَشْتَغِلُونَ بِالعُلُومِ العَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ مِنْ بَيْنِ العِبَادِ عَالِمٌ فَاضِلٌ كَامِلٌ نِحْرِيرٌ، كَاشِفُ أَسْتَارِ الحَقَائِقِ بِالتَّقْرِيرِ وَالتَّحْرِيرِ، جَامِعٌ بِالفُرُوعِ وَالأُصُولِ، حَاوٍ بِالمَعْقُولِ وَالمَنْقُولِ، يُدَرِّسُ بِهِمْ دُرُوسَ التَّفْسِيرِ وَالحَدِيثِ وَالأَحْكَامِ وَالأُصُولِ وَالمَعَانِي وَالبَيَانِ وَالكَلامِ وَمِنْ سَايَرَهَا أَيْضًَا حَسْبَ مَا يَقْتَضِيهِ العُرْفُ وَالمَقَامُ. [4]
(1) راجع: مصطفى تسريتش"أوروبا الجديدة في أحلام مسلم أوروبي عريق"ألقيت المحاضرة في مؤتمر الأئمة في مدينة غراتس من 13 - 15/ 06/2003، تحت عنوان:"دور الإسلام في أوروبا - حقوق الإنسان والتعليم". وكلمة الدكتور مصطفى تسريتش بمناسبة الذكرى المائة والعشرين (1882 - 2002) على تأسيس مكتب رئيس العلماء ومؤسسة رئاسة المشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك البوسنة (باللغتين البوسنية والعربية) ، سراييفو، 2002.
(2) جاء الإسلام إلى البوسنة عن طريق الأتراك العثمانيين الذين تبنوا عقيدة أبي منصور الماتوريدي ومذهب أبي حنيفة في الفقه. أحد الأسباب التي جعلت الأتراك يتبنون العقيدة الماتوريدية والمذهب الحنفي هو أنّ الإسلام وصل إليهم عن طريق بلاد ما وراء النهر التي كانت في ذلك الوقت مركزا للماتوريدية والمذهب الحنفي. أضف إلى ذلك أنّ أبا حنيفة نفسه كان من أصل فارسي (أي من العجم) وكان أكثر مرونة في تعامله مع المسائل الفقهية بحيث يسهل على المسلمين الجدد التزامهم بالدين. راجع: W. Madelung،"انتشار الماتوريدية والأتراك"في وثائق المؤتمر الرابع للدراسات العربية والإسلامية، كويمبرا-ليسبوا، 1968، ص: 109 - 168. لايدن: E. J. Brill، 1971.
(3) بدأ الإصلاح الإسلامي في البوسنة مع رئيس العلماء جمال الدين تشاوشيفيتش (1870 - 1938) ، انظر:"الرئيس جمال الدين تشاوشيفيتش - منوّر ومصلح"، أنس كاريتش ومويو ديميدوفيتش، ليليان، سراييفو، 2002. وتابعه حسين جوزو (1912 - 1982) ، انظر:"حسين جوزو - أعمال مختارة"، 4 مجلدات، دار القلم، سراييفو، 2006.
(4) كُتبت وقفية مدرسة الغازي خسرو بيك في سراييفو سنة 943 هـ/1537 م. التذكرة بمناسبة مرور أربعمائة سنة على مدرسة الغازي خسرو بيك) المطبعة المساهمة الإسلامية، سراييفو، 1932.