الصفحة 2 من 26

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبيّنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واهتدى وهدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد:

فيقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ. [1]

لقد وصل الإسلام إلى أوروبا عبر بوابتين رئيسيتين: بوابة شبه الجزيرة الأيبيرية في القرن الثامن الميلادي [2] ، وبوابة شبه جزيرة البلقان في الرابع عشر الميلادي [3] . ولقد أنتج الوجود الإسلامي في الأندلس - أسبانيا على مدى ثمانية قرون ثقافة فريدة من التسامح [4] الديني والثقافي والحرية الأكاديمية التي ساعدت أوروبا بشكل غير مسبوق في مسيرتها نحو الإنسانية ( Humanism) والنهضة ( Renaissance) [5] . ومما يؤسف له أن فكرة التسامح الأندلسي لم تدم في التاريخ الأوروبي. ومع نهاية القرن الخامس عشر الميلادي أظهر الملك فرديناند والملكة إيزابيلا عدم التسامح مع المسلمين مما اضطرهم إلى مغادرة شبه جزيرة أيبيريا سنة [6] 1492 بلا رجعة. ولكن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [7] ، فأشرق نور الإسلام على أوروبا من جديد من شبه جزيرة البلقان، ومازال نوره يسطع في سمائها ويدخل الدفء في قلوب أبنائها إلى يومنا هذا. وبذلك أصبحت البوسنة"أندلسا ثانية"، وإن كانت الأندلس الأولى قد ماتت، فإن البوسنة ما تزال حية لم تمت، ولن تموت بفضل الله ومن ثم بفضل المدرسة التي أسست على التقوى والعلم والمعرفة والتسامح.

فقد هاجر حوالي سبعين ألف من يهود السفارد [8] من الأندلس إلى سراييفو وحملوا معهم مخطوطة فريدة من هاغادا ( Haggada) [9] التي تمثل اليوم رمزا هاما في تاريخ اليهود البوسنيين. لقد عرفت أوروبا عبر تاريخها

(1) سورة آل عمران، الآية 85.

(7) سورة الصف، الآيتان8 - 7.

(8) السفارد - اليهود المتحدرون من أولئك الذين كانوا يعيشون في شبه الجزيرة الأيبيريه قبل 1492 (بالعبرية: سفاراد تعني أسبانيا) . لكن غالبا ما يستخدم تعبير السفارد للإشارة إلى اليهود من غير الأشكناز (مقتبسة من:"السفارد"في قاموس أكسفورد لأديان العالم، نشر: John Bowker، نشرة جامعة أكسفورد، أكسفورد، 1997.

(9) نفس المصدر السابق،"هاغادا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت