والكفارة تتعلق بالمستقبل، ولا سيما إن جعلت إن شرطية بذكر الجواب، والشرط لا يكون إلا مستقبلا، وإن جعلت نافية الصارف لها إلى الاستقبال الحلف؛ لأنه إنشاء، وقد جعل النحاة من صوارف الماضي إلى الاستقبال الإنشاء، فإذا قال الحالف: والله لا كلمت فلانا، فمعناه لأتركن كلامه في المستقبل، وإذا قال لزوجته: والله لا دخلت الدار، فمعناه اتركي دخولها، وهكذا. هذا إيضاح ما قاله بعض الشيوخ. وأقول: الأحسن في الجواب أن يقال المشروط كونه مستقبلا متعلق اليمين، وهو المحلوف عليه، فشرطه أن يكون يقع في المستقبل لا ما وقع في الماضي، وليس الكلام في صيغة اليمين إذ قد يكون لفظها ماضيا، ومتعلقها وقع في المستقبل فافهم.
ثم شرع في الكلام على الكفارة بقوله:"والكفارة"اللازمة بالحنث أو بنذرها أربعة أنواع: ثلاثة على التخيير، وهي الإطعام والكسوة والعتق، والرابع مرتب لا ينتقل إليه إلا بعد العجز عن الثلاث، وهو الصوم فهي مخيرة ابتداء مرتبة انتهاء وأفضلها أولها، وجزء الكفارة"إطعام"أي تمليك المكفر أو نائبه بإذنه"عشرة مساكين من المسلمين الأحرار مدا"مفعول إطعام الثاني"لكل مسكين بمد النبي صلى الله عليه وسلم"، وهو رطل وثلث بالبغدادي، ومقداره بالكيل حفنتان بكفي الرجل الذي ليس بعظيم الكفين، ولا صغيرهما، وهو المراد بالمتوسط، فيؤخذ من كلام المصنف خمسة شروط العدد، فلا يجزئ دفعها لأقل من عشرة لا دفع أقل من مد إلا أن يكمل العدد في الأول، والمد في الثاني، ولا لغنى، ولا رجوع عليه به إن دفعه له مع علمه بغناه إذا استهلكه؛ لأنه المسلط له عليه، وإن لم يكن عالما بغناه رجع عليه به إن كان باقيا، فإن فات رجع عليه إن غره بأن أوهمه أنه مسكين، وإن لم يغره فقيل يجزئه وقيل لا يجزئه، وهو المذهب، وعلى الإجزاء فيلزم الآخذ دفع ما أخذه للمساكين، وعلى عدم الإجزاء يلزم المكفر دفعها للمساكين، وهل له رجوع على المدفوع له أو لا؟.
قولان، ولا تدفع لفقراء أهل الذمة، ولا للأرقاء لغنائهم بالسادات، وزيد على ما ذكره المصنف أن لا يكون الحر المسلم ممن يلزم المكفر نفقته، وإلا لم يجز دفعها له كالزكاة.
"وأحب إلينا"معاشر المالكية"أن لو زاد"المكفر"على المد"وتلك الزيادة بالاجتهاد عند مالك وعند أشهب تحديدها بكونها"مثل ثلث مد"وحدها ابن وهب بما أشار إليه بقوله:"أو نصف مد"قال خليل: وندب بغير المدينة زيادة ثلثه أو نصفه، وأما المدينة فلا تندب الزيادة لقناعة أهلها وقلة الأقوات بها، ومقتضى التعليل مساواة مكة للمدينة في عدم الزيادة.